العباس بن يوسف الشكلى ثنا محمد بن يزيد قال سمعت ذا النون يقول : خرجت حاجا إلى بيت اللّه الحرام فبينا أنا بالطواف إذا بشخص متعلق بأستار الكعبة ، وإذا هو يبكى وهو يقول في بكائه : كتمت بلائي من غيرك ، وبحت بسرى إليك ، واشتغلت بك عمن سواك ، عجبت لمن عرفك كيف يسلو عنك ! ولمن ذاق حبك كيف يصبر عنك ؟ ثم أنشأ يقول .
ذوقتنى طيب الوصال فزدتنى * شوقا إليك مخامر الحسرات
ثم أقبل على نفسه فقال : أمهلك فما ارعويت ، وستر عليك فما استحيت ، وسلبك حلاوة المناجاة فما باليت ، ثم قال : عزيزي ما لي إذا قمت بين يديك ألقيت على النعاس ، ومنعتني حلاوة قرة عيني له ثم أنشأ يقول :
روعت قلبي بالفراق فلم أجد * شيئا أمر من الفراق وأوجعا
حسب الفراق بان يفرق بيننا * وأطال ما قد كنت منه مودعا .
قال : فلم أتمالك أن أتيت الكعبة مستخفيا ، فلما أحس تحلل بخمار كان عليه ثم قال : يا ذا النون غض بصرك من مواقع النظر فانى حرام ، فعلمت أنها امرأة . فقلت : يا أمة اللّه مم يحوى الهموم قلب المحب ؟ فقالت : إذا كانت للتذكار محاورة ، وللشوق محاضرة ، يا ذا النون أما علمت أن الشوق يورث السقام ، وتجديد التذكار يورث الأحزان ! ثم أنشأت تقول .
لم أذق طعم وصلك حتى * زال عنى محبتي للأنام .
ثم أنشأت تقول
نعم المحب إذا تزايد وصله * وعلت محبته بعقب وصال .
فقالت أوجعتنى أما علمت أنه لا يبلغ إليه إلا بترك من دونه .
* حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا أحمد بن الحسين الأنصاري ثنا أبو عصمة قال : كنت عند ذي النون وبين يديه فتى حسن يملى عليه شيئا قال فمرت امرأة ذات جمال وخلق قال فجعل الفتى يسارق النظر إليها ، قال ففطن ذو النون فلوى عنق الفتى وأنشأ يقول :
دع المصوغات من ماء وطين * واشغل هواك بحور عين
.