تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
ابن يزيد الأدمى ثنا معن بن عيسى ثنا إبراهيم بن عبد اللّه بن أبي الأسود عن الحسن : أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز : أما بعد ! فان الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة ، وإنما أنزل إليها آدم عقوبة ، فاحذرها يا أمير المؤمنين ، فان الزاد منها تركها ، والعنى فيها فقرها ، لها في كل حين قتيل ، تذل من أعزها ، وتفقر من جمعها ، هي كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه ، فكن فيها كالمداوى لجراحته ، يحتمى قليلا مخافة ما يكره طويلا ، ويصبر على شدة الأذى مخافة طول البلاء ، واحذر هذه الدار الغرارة التي قد زينت بخدعها ، وتحلت بآمالها وتشوقت لخطابها ، وفتنت بغرورها ، فأصبحت كالعروس المحلاة ، العيون إليها ناظرة ، والقلوب إليها والهة ، والنفوس لها عاشقة ، وهي لأزواجها كلهم قاتلة ، فلا الباقي بالماضي معتبر ، ولا الآخر على الأول مزدجر ، ولا العارف باللّه حين أخبره عنها مدكر . فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته واغتر وطغى ونسي المعاد ، شغل فيها لبه حتى زلت عنه قدمه ، وعظمت ندامته ، وكبرت حسرته وجمعت عليه سكرات الموت بألمه ، حسرات الفوت بغصته ، فذهب بكمده ، فلم يدرك منها ما طلب ، ولم يروح نفسه من التعب ، خرج بغير زاد وقدم على غير مهاد ، فاحذرها يا أمير المؤمنين ، وكن أسر ما تكون أحذر ما تكون لها ، فان صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصه إلى مكروه ، فالسار فيها بأهلها غار ، والنافع منها غدا ضار ، قد وصل الرجاء فيها بالبلاء وجعل البقاء فيها إلى فناء . فسرورها مشوب بالحزن ، لا يرجع منها ما ولى فأدبر ولا يدرى ما هو آت فيستنظر ، أمانيها كاذبة ، وآمالها باطلة ، وصفوها كدر وعيشها نكد ، وابن آدم منها على خطر ، إن عقل فهو من النعماء على حظر ومن البلاء على حذر ، لو أن الخالق لم يخبر عنها خبرا ، ولم يضرب لها مثلا لكانت الدنيا فد أيقظت النائم ، ونبهت الغافل ، فكيف وقد جاء من اللّه عنها زاجر ، وفيها واعظ ، ما لها عند اللّه قدر ولا وزن ، ولا نظر إليها منذ خلقها ولقد عرضت على نبيك محمد صلى اللّه عليه وسلم بمفاتيح خزائنها ولا ينقصه ذلك عند اللّه جناح بعوضة فأبى أن يقبلها ، كره أن يخالف على ربه أمره ، أو