تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
عليه . وقلتم أنتم : إن إبليس وأولياءه من الجن قد كانوا ملكوا رد علم اللّه والخروج من قسمه الذي أقسم به إذ قال
( فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ، لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ )
حتى لا ينفذ له علم إلا بعد مشيئتهم ، فما ذا تريدون بهلكة أنفسكم في رد علم اللّه ؟ فان اللّه عز وجل لم يشهدكم خلق أنفسكم فكيف يحيط جهلكم بعلمه ، وعلم اللّه ليس بمقصر عن شيء هو كائن ، ولا يسبق علمه في شيء فيقدر أحد على رده ، فلو كنتم تنتقلون في كل ساعة من شيء إلى شيء هو كائن لكانت مواقعكم عنده ، ولقد علمت الملائكة قبل خلق آدم ما هو كائن من العباد في الأرض من الفساد وسفك الدماء فيها ، وما كان لهم في الغيب من علم ، فكان في علم اللّه الفساد وسفك الدماء ، وما قالوا تخرصا إلا بتعليم العليم الحكيم لهم ، فظن ذلك منهم وقد أنطقهم به ، فانكرتم أن اللّه أزاغ قوما قبل أن يزيغوا ، وأضل قوما قبل أن يضلوا ، وهذا مما لا يشك فيه المؤمنون باللّه ، إن اللّه قد عرف قبل أن يخلق العباد مؤمنهم من كافرهم ، وبرهم من فاجرهم ، وكيف يستطيع عبد هو عبد اللّه مؤمن أن يكون كافرا ، أو هو عند اللّه كافر أن يكون مؤمنا ؟ واللّه تعالى يقول
( أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها )
فهو في الضلالة ليس بخارج منها أبدا إلا باذن اللّه ، ثم آخرون اتخذوا من بعد الهدى عجلا جسدا فضلوا به فعفى عنهم لعلهم يشكرون ، فصاروا من أمة قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ، وصاروا إلى ما سبق لهم ، ثم ضلت ثمود بعد الهدى فلم يعف عنهم ولم يرحموا ، فصاروا في علمه إلى صيحة واحدة فإذا هم خامدون فنفذوا إلى ما سبق لهم أن صالحا رسولهم ، وأن الناقة فتنة لهم وأنه مميتهم كفارا فعقروها ، وكان إبليس فيما كانت فيه الملائكة من التسبيح والعبادة ابتلى فعصى فلم يرحم ، وابتلى آدم فعصى فرحم ، وهم آدم بالخطيئة فنسى ، وهم يوسف بالخطيئة فعصم ، فأين كانت الاستطاعة عند ذلك ؟ هل كانت تغنى شيئا فيما كان من ذلك حتى لا يكون ؟ أو تغنى فيما لم يكن حتى يكون ؟ فتعرف لكم بذلك حجة . بل اللّه أعز مما تصفون وأقدر .