تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
يملك العباد ما بيده ، ولم يفوض إليهم ما يمنعه من رسله ، فقد حرصت الرسل على هدى الناس جميعا ، فما اهتدى منهم إلّا من هداه اللّه ، ولقد حرص إبليس على ضلالتهم جميعا فما ضل منهم إلا من كان في علم اللّه ضالا . وزعمتم بجهلكم أن علم اللّه تعالى ليس بالذي يضطر العباد إلى ما عملوا من معصيته ، ولا بالذي صدهم عما تركوه من طاعته ، ولكنه بزعمكم كما علم اللّه أنهم سيعملون بمعصيته ، كذلك علم أنهم سيستطيعون تركها ، فجعلتم علم اللّه لغوا ، تقولون لو شاء العبد لعمل بطاعة اللّه وإن كان في علم اللّه أنه غير عامل بها ، ولو شاء ترك معصيته ، وإن كان في علم اللّه أنه غير تارك لها ، فأنتم إذا شئتم أصبتموه وكان علما ، وإذا شئتم رددتموه وكان جهلا ، وإن شئتم أحدثتم من أنفسكم علما ليس في علم اللّه ، وقطعتم به علم اللّه عنكم ، وهذا ما كان ابن عباس يعده للتوحيد نقضا وكان يقول : إن اللّه لم يجعل فضله ورحمته هملا بغير قسم منه ولا اختيار ، ولم يبعث رسله بابطال ما كان في سابق علمه ، فأنتم تقرون في العلم بأمر ، وتنقضونه في آخر ، واللّه تعالى يقول
( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ )
فالخلق صائرون إلى علم اللّه تعالى ، ونازلون عليه ، وليس بينه شيء هو كائن حجاب يحجبه عنه ولا يحول دونه إنه عليم حكيم . وقلتم لو شاء اللّه لم يفرض بعمل بغير ما أخبر اللّه في كتابه عن قوم ، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون وأنه قال :
( سَنُمَتِّعُهُمْ
قليلا
ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ )
فأخبر أنهم عاملون قبل أن يعملوا ، وأخبر أنه معذبهم قبل أن يخلقوا . وتقولون أنتم : إنهم لو شاءوا خرجوا من علم اللّه في عذابه إلى ما لم يعلم من رحمته لهم ، ومن زعم ذلك فقد عادى كتاب اللّه برد ، ولقد سمى اللّه تعالى رجالا من الرسل بأسمائهم وأعمالهم في سابق علمه ، فما استطاع آباؤهم لتلك الأسماء تغييرا ، وما استطاع إبليس بما سبق لهم في علمه من الفضل تبديلا ، فقال
( وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ
ذي
الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ )
فاللّه أعز في قدرته وأمنع من أن يملك أحدا إبطال علمه في شيء من ذلك ، فهو مسمى لهم بوحيه الذي لا يأتيه الباطل من