رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً )
فتقولون أنتم إنهم قد كانوا ملكوا رد ما أخبر اللّه عنهم أنهم عاملون ، وأن إليهم أن يقيموا على كفرهم مع قوله فيكون الذي أرادوا لأنفسهم من الكفر مفعولا ، ولا يكون لوحى اللّه فيما اختار تصديقا ، بل للّه الحجة البالغة . وفي قوله تعالى
( لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ )
فسبق لهم العفو من اللّه فيما أخذوا قبل أن يؤذن لهم ، وقلتم : لو شاءوا خرجوا من علم اللّه في عفوه عنهم إلى ما لم يعلم من تركهم لما أخذوا ، فمن زعم ذلك فقد غلا وكذب . ولقد ذكر اللّه بشرا كثيرا وهم يومئذ في أصلاب الرجال ، وأرحام النساء ، فقال
( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ )
وقال
( وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ )
فسبقت لهم الرحمة من اللّه قبل أن يخلقوا والدعاء لهم بالمغفرة ، ممن لم يسبقهم بالايمان من قبل أن يدعوا لهم . ولقد علم العالمون باللّه أن اللّه لا يشاء أمرا فتحول مشيئة غيره دون بلاغ ما شاء ، ولقد شاء لقوم الهدى فلم يضلهم أحد ، وشاء إبليس لقوم الضلالة فاهتدوا ، وقال لموسى [ وهارون ]
( اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى )
[ وموسى في سابق علمه أنه يكون لفرعون عدوا وحزنا ، فقال تعالى
( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ )
] « 1 » فتقولون أنتم لو شاء فرعون كان لموسى وليا وناصرا ، واللّه تعالى يقول
( لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً )
وقلتم لو شاء فرعون لامتنع من الغرق ، واللّه تعالى يقول
( إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ )
مثبت ذلك عنده في وحيه في ذكر الأولين .
كما قال في سابق علمه لآدم قبل أن يخلقه
( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً )
فصار إلى ذلك بالمعصية التي ابتلى بها ، وكما كان إبليس في سابق علمه أنه سيكون مذموما مدحورا ، وصار إلى ذلك بما ابتلى به من السجود لآدم فأبى ، فتلقى آدم التوبة فرحم ، وتلقى إبليس اللعنة فغوى ، ثم أهبط آدم إلى ما خلق له من الأرض مرحوما متوبا عليه ، وأهبط إبليس بنظرته مدحورا مذموما مسخوطا
هامش
( 1 ) لم ترد في ز