وكان من بينها صناديق فيها أوراق شتّى ( دشت ) . وذات يوم أقبلت عليه في دكّانه ، فإذا به يخرج لي ورقة حائلة اللون ، وسألني : أتعرف ما هذه ؟ فما كدت أقرأ منها أسطرا حتى عرفت أنها من كتاب « طبقات الشعراء » لأبى عبد اللّه محمد بن سلّام الجمحىّ ، وكنت حديث عهد بقراءة الكتاب . فاستطير فرحا بما عرف ، وقمنا معا إلى هذه الصناديق المبعثرة الأوراق ، نفرزها ورقة ورقة ، يوما بعد يوم ، حتى جمعنا من أوراق كتاب الطبقات قدرا عظيما . فلما فرغنا ، أمرني رحمه اللّه أن آخذها فأرتبها وأنقلها ، مخافة عليها من مثل ما كانت فيه ، ومن عوادى البلى عليها ، إذ كانت عتيقة الورق . وفعلت مقصّرا متراخيا ، فلم أتمّ نقلها ، وبقيت بقيّة من أوراق المخطوطة لم أنقلها ، وطال الزمن ، فسألني السيد أمين رحمه اللّه ، أن أردّ إليه الأمّ العتيقة قبل تمام نقلها ، فرددتها إليه ، ولم أخبره بما كان منّى من التقصير والتراخي .
ودارت بي الأيّام ، وفارقت مصر في سنة 1347 ( سنة 1928 ) ، ثم عدت إليها ، وقد فتر ما بيني وبين الكتب زمنا طال وامتدّ . ثم لقيت أمينا رحمه اللّه ، فأخذ يستحثّنى أن أعيد النظر في كتاب الطبقات ، حتى أستطيع أن أعدّه للنشر ، فتراخيت ما تراخيت ، وهو يظنّ أنى كنت قد فرغت من نقلها ، وأظنّ أنا أنّ النسخة لم تزل في حوزته . ثم قضى أمين نحبه في يوم الجمعة 19 جمادى الأولى سنة 1358 ( 7 بولية 1939 ) ، وقد جاوز السبعين من عمره ، غفر اللّه له ورحمه . لم يخبرني أين استقرّت الأم العتيقة ، ولما سألت بعض ولده عنها ، لم أجد عند أحد منهم خبرا عنها . ثم بدأت أبحث عنها في مظانّها من دور الكتب العامة والخاصّة ، فلم أعثر عليها حيث ظننت . وبقيت نسختي التي نقلتها حبيسة في خزانة كتبي هذا الدهر الطويل ، حتى دعاني أخي الأكبر الأستاذ أحمد محمد شاكر ، رحمه اللّه ، إلى نشر هذه النسخة الناقصة ، فاستجبت له ، واستخرت اللّه وتوكّلت عليه ، ثم بدأت ،
طبقات فحول الشعراء — صفحة مقدمة 10
مساهمون: محمد بن سلام الجمحي
صمقدمة ١٠