آبائه وقصر رشائه « 1 » ؛ ضيفه جائع ، وجاره ضائع ؛ لا يحمي ذمارا ، ولا يضرم نارا « 2 » ، ، ولا يرعى جوارا ؛ أهون الناس عنده من أكرمه ، وأكرمهم عليه من أهانه .
فقال معاوية : ما رأيت أعجب من أمر هذه المرأة ! انصرفي إليّ رواحا .
فلما كان من العشيّ جاءت ، وإذا معاوية يخطب ، فلمّا رآها أبو الأسود قال : اللهم اكفني شرّها .
قالت : قد كفاك اللّه شرّي ، وأرجو أن يعيذك من شرّ نفسك .
قال : ناوليني هذا الصّبي حتى أحمله .
قالت : ما جعلك اللّه بأحقّ بحمل « 3 » ابني مني .
فوثب فانتزعه منها .
فقال معاوية : مهلا يا أبا الأسود .
قال : يا أمير المؤمنين ، حملته قبل أن تحمله ، ووضعته قبل أن تضعه .
قالت : صدق ، حمله خفّا ، وحملته ثقلا ، ووضعه شهوة ووضعته كرها . وقد كان حجري « 4 » حواءه ، وبطني وعاءه ، وثديي سقاءه .
فقال : ما رأيت أعجب من هذه المرأة !
فقال أبو الأسود : يا أمير المؤمنين ، إنها تقول من الشعر أبياتا فتجيدها .
هامش
( 1 ) الرشاء : الحبل ، ومعناه هنا ما يتوصل به إلى عظائم الأمور .
( 2 ) كناية عن البخل .
( 3 ) في الأصل : « بأحق من » ، ولا موضع ل « من » في هذه العبارة . وفي تاريخ دمشق « بأحق بحمل هذا البني . . . » .
( 4 ) في الأصل : « نحري » ، تصحيف . انظر قولها التالي في شعرها . ويؤكد أن ما أثبتناه هو الصواب رواية التاريخ : « كان حجري حواءه ، وبطني وعاءه ، وثديي سقاءه » . وفي اللسان أن امرأة قالت : « إن ابني هذا كان بطني له حواء » ، الحواء اسم المكان الذي يحوي الشيء ، أي يضمه ويجمعه .