قرنيك إلى قدميك ؟ اخسأ يا هامة الصّعل « 1 » ، ووجه الجعل « 2 » ، وأذلل بك نصيرا ، وأقلل بك ظهيرا .
فبهت الأسلع ينظر إليها ، ثم سأل عنها ، فأخبر بخبرها ، فأقبل إليها معتذرا خوفا من لسانها .
قالت : قد قبلت عذرك ، وإن تعد أعد ، ثم لم أقلك ، ولم أراقبك ! « 3 » فبلغ ذلك معاوية ، فقال : كلا ، زعمت يا أسلع أنك لا تواقف « 4 » من يغلبك ، أما علمت أن حرارة الشوك « 5 » ليست بمجانسة لنوافذ الكلام عند مواقف الخصومة ، ألا تركت كلامها قبل النّصفة منها ، ومنك الاعتذار إليها ؟
قال : إي واللّه يا أمير المؤمنين ، لم أكن أرى امرأة تبلغ من معاضيل « 6 » الكلام ما بلغت هذه المرأة ، وقد جالستها فإذا هي تحمل قلبا شديدا ، ولسانا حديدا ، وجوابا عتيدا . فهالتني رعبا ، وأوسعتني سبّا ، ثم التفت معاوية إلى عبيد بن أوس فقال : ابعث إليها بما يقطع عني لسانها ، وتقضي ما ذكرت من دينها ، وتخفّ به إلى بلادها . وقال : اللهم اكفني شرّها وشرّ لسانها .
فلما أتاها الرسول بما أمر لها معاوية قالت : واعجبا من معاوية ! يقتل زوجي ، ويبعث لي بالجوائز ، فليت حظّي من أبي كرب سدّ عني خيره وبرّه « 7 »
هامش
( 1 ) الصعل والأصعل : الدقيق الرأس والعنق ، وقد صعل صعلا واصعال .
( 2 ) الجعل : حيوان معروف كالخنفساء . ورجل جعل : أسود ذميم .
( 3 ) في البلاغات : « لا أستقيل ، ولا أراقب فيك » ، وفي الروايتين تعني أنها لن تسامحه وتتساهل معه في المرة الثانية .
( 4 ) واقفته على كذا مواقفة ووقافا أي سألته الوقوف .
( 5 ) في البلاغات : « حرارة المتبول » .
( 6 ) المعضلة : المسألة الصعبة ، أو الخطة الضيقة المخارج .
( 7 ) كذا في الأصل . والرواية المعروفة : خيره خبله . وأصل المثل أن أبا كرب اليماني قدم المدينة ، فقال مالك بن عجلان ، وهو الذي ساقه إليها : قد جئتكم بعز الأبد ، فسمعت عجوز بقوله فقالت :يا ليت حظي من أبي كرب * أن سد عني خيره خبلهيضرب لمن لا يفي خيره بشره .
المستقصي 2 / 302 ( 1068 ) ، وجمهرة الأمثال 1 / 484 .