وهذا يثبت أنّ للهجرة تطبيقات ومصاديق مختلفة تنشأ من علوّ الهمّة التي هي تختلف باختلاف الأشخاص ومراتب الإيمان ودرجات اليقين ، كهجرة الأخيار والأبرار والمقرّبين . والجامع بينها جميعاً هو الرحيل من علم اليقين إلى عين اليقين ومنه إلى حقّ اليقين ، أو من المعرفة إلى
الشهود ومنه إلى المعاينة ، فمن هاجر من هذه المواطن قاصداً بهجرته الوصول إلى حضرة المحبوب بنيل رضاه ، فقد بلغ أقصى مراتب السعادة وأشرف منازل الكرامة .
ثمّ إنّه كما أنّ للهجرة مصاديق معنويّة مضافاً إلى المصداق المادّى ، فإنّ الموت أيضاً ينقسم إلى الموت الطبيعي والموت الإرادى الاختياري ، الذي يحصل من خلال الإعراض عن متاع الدُّنيا وطيّباتها والامتناع عن مقتضيات النفس ولذّاتها وعدم اتّباع الهوى ، فإنّه قد ينكشف له ما ينكشف للإنسان عند الموت الطبيعي .
النحو الثالث : انطباق آيات المذنبين على أهل المراقبة والذِّكر والحضور في تقصيرهم ومساهلتهم في ذكر الله تعالى ، وهذا نحو آخر أدقّ ممّا تقدّمه .
توضيح ذلك : إنّه يمكن أن يتصوّر للذنب مراتب ودرجات مختلفة :
الأُولى : مرتبة الذنب المتعلِّق بالأمر
والنهى المولويّين ، وهو المخالفة لحكم شرعىّ فرعىّ أو أصلىّ ، وإن عمّمت التعبير قلت : مخالفة مادّة من المواد القانونيّة دينيّة كانت أو غير دينيّة .
وهذا هو المعروف والمركوز في أذهاننا معاشر المسلمين أيضاً
المنهج التفسيري — صفحة 90
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٩٠