إليه ، إلّا أنّه أحال فيه إلى ما يعرفه الناس بحسب عقولهم الفطريّة وإدراكهم المركوز في نفوسهم ، ولو تتبّعتَ الكتاب الإلهى ثمّ تدبّرتَ في آياته وجدتَ ما قد يزيد على ثلاثمائة آية تتضمّن دعوة الناس إلى التفكّر أو التذكّر أو التعقّل ، أو تلقّن النبىّ صلّى الله عليه وآله الحجّة لإثبات حقّ أو لإبطال باطل ، أو تحكى الحجّة عن أنبيائه وأوليائه كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء العظام ، ولقمان ومؤمن آل فرعون وغيرهما . بل لم يأمر الله تعالى عباده في كتابه ولا في آية واحدة أن يؤمنوا به أو بشئ ممّا هو من عنده أو يسلكوا سبيلًا وهم عُمى لا يشعرون .
وهذا الإدراك العقلي أعنى الفكر الصحيح الذي يحيل إليه القرآن الكريم ويبنى على تصديق ما يدعو إليه من حقٍّ أو خير أو نفع ، ويزجر عنه من باطل أو شرّ أو ضرّ إنّما هو الذي نعرفه
بالخلقة والفطرة ممّا لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا يتنازع فيه إنسان وإنسان ولا يختلف فيه اثنان ، وإن فرض فيه اختلاف أو تنازع فإنّما هو من قبيل المشاجرة في البديهيّات ، ينتهى إلى عدم تصوّر أحد المتشاجرين أو كليهما حقّ المعنى المتشاجر فيه ، لعدم التفاهم الصحيح .
دور العقل بين التحميل والتوظيف
قد يُتساءل : أليس من الحقّ أن نعلن خشيتنا من أن تؤدّى خلفيّة القواعد العقليّة التي يحملها المفسّر إلى إسقاط هذه الرؤى على النصّ القرآني وتوجيهه بما ينسجم معها ؟
الجواب : إنّها خشية مشروعة ، وقد تحدّثنا سابقاً عن هذا المحذور