لأحد الوقوف على الحقائق القرآنيّة مشاهدةً إلّا بعد الخروج من تبعات عالم المادّة ، فلم يعد محكوماً لها ، بمعنى عدم الالتفات القلبي إلى شئ من ذلك البحر الأُجاج وقصر التوجّه إلى الله تبارك وتعالى « 1 » .
وأمّا المستوى الثاني ، وهو التحقّق بالحقائق القرآنيّة لا مجرّد مشاهدتها فإنّها رتبة لا ينالها إلّا من دخل السفر الثاني وتزوّد منه ، وهو السير من الحقّ إلى الحقّ ، ودرجة التحقّق هذه تشكيكيّة ، أي أنّها ذات مراتب لا عدّ لها ولا حصر ، لأنّها سير في الكمالات الإلهيّة التي لا نهاية لها ، ولكن التحقّق إنّما هو بقدر السائر لا المُسار فيه أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ( الرعد : 17 ) .
إنّه طريق شاقّ طويل ، أوّله الخروج من تبعات عالم المادّة وحاكميّته ، ولكن لا آخر له البتّة ، وهو المصطلح عليه بسفر الولاية عند أهل المعرفة فلا يملك السائر فيه إلّا أن يغلق دائرة سيره أو تُغلَق هي بالفعل لتحوّل تمام استعداده إلى فعل ، فيعود بما تحقّق به ليأخذ موقعه هادياً ومرشداً بقدر ما يسمح له ، وهذا هو حال السواد الأعظم من سالكى طريق الولاية الإلهيّة . وإمّا أن يواصل سيره لعدم نفاد استعداده ، فيمضى والتأوّه لسان حاله : « آه من قلّة الزاد
وطول الطريق وبُعد السفر » « 2 » فإن حصلت استعدادات أخرى يولّدها عمل العائد ، فله العود والكرّة مرّةً أُخرى لسفره الثاني بغية التزوّد مجدّداً بالمعارف
هامش
( 1 ) ينظر بحث السفر الأوّل في كتاب : من الخلق إلى الحقّ ، من أبحاث السيد كمال الحيدري ، بقلم : طلال الحسن ، مصدر سابق : ص 99 79 .
( 2 ) نهج البلاغة : رقم الحكمة 77 .