ومنشأ ذلك أنّ المعارف الحقّة الإلهيّة كالماء الذي أنزله الله تعالى من السماء هي في نفسها ماء فحسب من غير تقييد بكمّية ولا كيفيّة ، ثمّ إنّها كالسيل السائل في الأودية تتقدّر بأقدار مختلفة من حيث السعة والضيق . وهذا حال المعارف الحقّة من حيث كونها واردة في ظرف اللفظ والدلالة فإنّها بورودها أودية الدلالات اللفظيّة تتقدّر بأقدارها ، وتتشكّل بأشكال المرادات الكلاميّة بعد إطلاقها .
فهذه الأقوال وإن كانت ثابتة من حيث مراد المتكلِّم بكلامه إلّا أنّها مع ذلك أمثال يمثّل بها أصل المعنى المطلق غير المتقدّر ، ثمّ إنّها بمرورها في الأذهان المختلفة تحمل معاني غير مقصودة كالزبد في السيل ، لأنّ الأذهان من جهة ما تخزنها من المرتكزات والمألوفات تتصرّف في المعاني الملقاة إليها .
خلاصة ما تقدّم
من أهمّ النتائج التي انتهينا عندها : أنّ التأويل ليس من سنخ المدلول اللفظي ، بل هو أمر خارجىّ حقيقىّ تكوينىّ ، وأنّه شامل لجميع القرآن محكمه ومتشابهه فهو الحقيقة الواقعيّة التي تستند إليها البيانات القرآنيّة . وما الألفاظ التي نقرؤها ونتلوها إلّا وسائل تنسجم مع تركيبتنا العقليّة ، فهي تقرّب تلك الحقيقة الواقعيّة إلى أذهاننا التي اعتادت القبول والأُنس بالمعاني الصوريّة والمنظورات الحسّيّة .
وبذلك يقترب هذا المعنى كثيراً من حقيقة الظاهر والباطن كما سيأتي فالظاهر هو المعاني الصوريّة الموضوعة لها الألفاظ ، والباطن