تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 718

مساهمون:

ص٧١٨
الآراء الفلسفية القديمة ، وتحقيق نظرية جديدة في الإبصار على أساس الوجود المستقل للضوء كمؤثر خارجي . وكان الحسن ابن الهيثم في مقدمة علماء المسلمين الذين وضعوا الأسس العلمية السليمة لعلم الضوء والبصريات . وصنف في هذا العلم كتابا رائدا أسماه « المناظر » واعتمد عليه علماء أوروبا في عصر النهضة الحديثة . ووافقت النظرية الجديدة ما سبق أن أخبر به القرآن الكريم من استحالة الرؤية بالعين المجردة في الظلام ، وذلك في قوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
44 ، ففي هذه الآية الكريمة يشبه اللّه - سبحانه وتعالى - حال المنافقين بمن استوقد نارا ، فلما وقع ضوء النار على ما حوله من الأجسام المعتمة ثم تشتت منها كشفها للناظرين . وعندما ذهب اللّه بنورهم ، أي بذلك الضياء المشتت من الأجسام المعتمة الذي كان يقع على أبصارهم فيعينهم على الإحساس بالرؤية ، تولدت ظلمات لا تساعد على الإبصار . وبهذا جعل اللّه تعالى رؤية الأجسام مرتبطة ارتباطا مباشرا بسقوط النور ( أو الضوء ) عليها ثم ارتداده منها إلى العين . أما الضوء في حد ذاته فلا يرى ولا يساعد على رؤية الأشياء دون أن يقع عليها ، إذ قد يوجد هذا الضوء بجانب الشيء ولا نراه ، مثال ذلك أشعة الشمس التي تمر خلال حجرة مظلمة دون أن تقع على شئ فيها ويكون هواؤها صافيا خاليا من الغبار ، فإنها لا تبدد ظلمتها ما لم تقع على شئ يشتتها . والضوء الكشاف الذي يمر في الليل المظلم بجانب الأجسام المعتمة دون أن يقع عليها فإنه لا يكشفها ، ولكنه إذا وقع عليها ثم ارتد إلى الأنظار حدثت الرؤية . لقد سبق القرآن الكريم إذن إلى القول باستحالة الرؤية في الظلام ، أي في غياب الضوء المشتت عن الأجسام ، وقد لاحظ رواد الفضاء حديثا عقب اختراقهم للغلاف الجوى أن السماء فقدت لونها الأزرق الجذاب الذي نراها به من الأرض ، وأصبحت سوداء حالكة رغم سطوع الشمس وتلألؤ النجوم ، وما ذلك إلا لعدم وجود الجسيمات الدقيقة الكافية لتشتت الضوء وحدوث الإبصار . كذلك لاحظ رواد الفضاء أن سماء القمر مظلمة دائما لانعدام الغلاف الجوى حول سطحه ، وأن الأرض تبدو في الفضاء كرة مضيئة تسبح وسط ظلام دامس . وقد أوضحت الصور التي التقطها رواد الفضاء أثناء رحلاتهم الفضائية أن الأرض والقمر منيران بأشعة الشمس المنعكسة منهما ، وأن السواد الذي يعم الصورة ما هو إلا ظلمة السماء وليلها الدائم .
الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 718 | محمود حمدي زقزوق