تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 696

مساهمون:

ص٦٩٦
السواء ، وإن كان العالم أقدر على الإحاطة بجلال الإعجاز في خلقها ، ومن ثمّ كانت خشيته العميقة لخالقها مصداقا لقوله تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
15 . فمن هنا كان النظر الفطري البسيط والنظر العلمي المتأمل العميق ، وكلاهما مطلوب ومشروع ومفيد . وهذا سر من أسرار بلاغة القرآن ، بيد أن التعمق بالبحث العلمي السليم لا يتوافر إلا للقادرين عليه والمؤهلين له ، فهو إذن فرض كفاية عليهم ، كما أنهم مكلفون أيضا بتبصرة غيرهم بما انتهى إليه نظرهم ، فقد أمرنا أن نتعلم ونعلم ، ونهينا عن كتمان العلم . والناس يتفاوتون في فهمهم للقرآن بحسب درجاتهم وأحوالهم واستطاعتهم ، وهم في عصرنا أحوج من أي عصر مضى إلى أن يتعلموا من مأدبته ما استطاعوا ، وأن يفيدوا من كنوزه وأسراره في إصلاح دنياهم والفوز بنعيم أخراهم . يقول الراغب الأصفهاني في كتابه « مقدمة التفسير » : ثم إن القرآن - وإن كان في الحقيقة هداية للبرية - فإنهم لن يتساووا في معرفته ، وإنما يحظون به بحسب درجاتهم واختلاف أحوالهم ، فالبلغاء تعرف من فصاحته ، والفقهاء من أحكامه ، والمتكلمون من براهينه العقلية ، وأهل الآثار من قصصه ما يجهله غير المتخصص بفنه . وقد علم أن الإنسان بقدر ما يكتسب من قوته في العلم تتزايد معرفته بغوامض معانيه . . 16 . وأهل الاختصاص في فروع العلوم - بطبيعة الحال - ليسوا بدعا بين هؤلاء الذين ذكرهم الأصفهاني ، فكل ما يساعد من حقائق العلم على تعميق فهمنا لمعاني القرآن الكريم وتعاليمه وأحكامه ، هو ما يجب الأخذ به . وكم في القرآن الكريم من آية إذا مستها يد العلم أبانت أسرارها وأظهرت إعجازها . ذلك أن القرآن الكريم له أسلوبه الحكيم في الدلالة على آيات اللّه في الكون ، والهداية التي جاء أصلا من أجلها تقتضى ألا يخاطب الناس عن الكون بما ينكرون ، أو بما يستعصى على أفهامهم ، فيقوم ذلك حجابا بينهم وبين قبول دعوته ، وحاملا على التكذيب
بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
. كذلك تقتضى الهداية القرآنية ألا يوافق القرآن الناس على باطل معتقداتهم الكونية في عصر نزول الوحي به ، فيقوم ذلك حائلا دون قبول دعوته في عصور التقدم العلمي والتقنى التي علم منزّل القرآن أنها ستكون . وتجنب هذين العائقين عن قبول هداية القرآن هو من بدائع إعجاز أسلوبه ومن أكبر الدلائل على أنه حقا من عند اللّه فاطر الناس وفاطر الكون .