تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 693

مساهمون:

ص٦٩٣
حقائق الأشياء انكشافا تاما ، وتتجلى حقيقة الحقائق متمثلة في الإيمان الخالص على هدى وبصيرة بالخالق الواحد ، مصداقا لقوله تعالى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
5 . والعلاقة بين آيات الحق في القرآن والكون تجمع في ترابط محكم بين إعجاز السبق والبيان في كتاب الإسلام الخالد ، وإعجاز القدرة الإلهية في كتاب الكون اللانهائى ، ليدلى كل إعجاز بشهادة تسليم وتصديق للآخر ، وليكون في الإعجازين عبرة لكل ذي عقل رشيد ، أو لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، فكما أن الأدلة القاطعة برهنت على أن القرآن الكريم لا يمكن إلا أن يكون من عند اللّه الواحد ، بدليل عدم الاختلاف بين آياته ، كذلك فإن النظام الكوني المعجز بكل ما فيه من تدبير وإحكام لا يمكن إلا أن يكون من صنع اللّه الذي أتقن كل شئ . وينبغي أن ندرك هنا أن المعجزة نوعان ينبغي التمييز بينهما ، كي نطلب المعجزة التي يجب أن تطلب ، ونتورع عن طلب المعجزة التي لا تجدى أحدا من العقلاء 6 . أما النوع الأول فهي المعجزة التي تتجه إلى العقل ، وهي موجودة يلتقى بها من يريدها حيثما التفت إليها ، متمثلة في الإطراد المنتظم لظواهر الكون والحياة التي لا تتبدل ولا تتحول ، قال تعالى :
. . . فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا
7 . وأما النوع الثاني فهي المعجزة التي تكون من خوارق العادات ، فهي التي تدهش العقل وتضطره بالإفحام القاهر إلى التسليم ، وهي ليست بحاجة إلى قدرة أعظم من القدرة التي نشهد من بدائعها ما يتكرر أمامنا كل يوم وكل ساعة . والعالم الحق أحرى أن يعرف موضع العجب فيما يشاهده من سنن اللّه الكونية المألوفة في دوران الأفلاك وخصائص المادة وسلوك الكائنات والظاهرات ، فليست ألفته لها مما يصح أن يبطل العجب منها ، ومن قال هذا فهو هازل مستخف بالمعجزة التي تخاطب العقل وتستثير ملكاته ، وهو أيضا عاجز عن أن يجد في هذه المعجزة يد العناية الإلهية التي تسيّر حركة الكون والحياة . وقد غاب مثل هذا التمييز الواضح بين نوعي المعجزة عن كثير من الباحثين الذين يقفون بتفكيرهم عند حد « التفسير العلمي » للظاهرة الكونية ، أو الذين يقحمون أنفسهم فيما لا يدركه العقل البشرى المحدود من خوارق العادات التي لا تخضع للنواميس الطبيعية ولا للتجارب البشرية .