تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 664

مساهمون:

ص٦٦٤
تقدر أن شيئا من هذه الكلمات التي عددناها عليك أو غيرها لا تقف بك على عرضنا من هذا الكتاب ، فلا سبيل إلى الوقوف على تصاريف الخطاب ، فافزع إلى التقليد ، وإن فطنت فانظر إلى ما قال من رد عجز الخطاب إلى صدره بقوله
فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ
( غافر : 5 ) ثم ذكر عقبها العذاب في الآخرة ، وأتلاها تلو العذاب في الدنيا على الإحكام الذي رأيت » 32 . فالباقلانى هنا يعلل ويحلل ويسلك سلك أهل مذهبه الكلامي في الأخذ والرد ، وكنا نود أن يسلك هذا المسلك في كل ما يمثل به من الآيات ، ولكن نشاطه يفتر حين يمتد به القول دون راحة ذهنية - كما أعلّل ذلك - فلا تكاد تخرج منه بطائل ، وأمثل لذلك بما استشهد به من قول اللّه :
فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
33 حيث قال : انظر إلى هذه الكلمات الأربع التي ألف بينها واحتج بها على ظهور قدرته ، ونفاذ أمره ، أليست كل كلمة منها في نفسها غرة ، وبمفردها درة ، وهو مع ذلك يبين أنه يصدر عن علو الأمر ، ونفاذ القهر ، ويتجلى في بهجة القدرة ، ويتحلى بخالصة العزة ، ويجمع السلامة إلى الرصانة ، والسلاقة إلى المتانة ، والرونق الصافي ، والبهاء الضافى » 34 فهذا القول وشبيهه مما تركته للاختصار يمكن أن يقال تعليقا لآيات كثيرة تماثلها دون فارق ، والمفسر المحلل لا يلجأ للعبارات العامة في نص يحلله ، لقد كان عليه أن يبين موقع الحسن في كل كلمة تنفرد بنفسها بدل أن يطلق القول إطلاقا ، وإذا اتسع له الأمد لتفضيل كلمة ( ليأخذوه ) في النص السابق ، فلما ذا لم يقف وقفاته البارعة عند كلمات « فالق » أو « سكنا » أو « حسبانا » ، وإنصافا للرجل أذكر إصابته الدقيقة في تحليل بعض السور القرآنية نسبيا تحليلا متكاملا كما صنع بسورتى غافر والنمل ، وأجزاء طويلة من سورة فصلت ، إذ أخذ يعرض آيات السورة الواحدة متنقلا بين معانيها ، ومحاولا الربط بين أجزائها وهو اتجاه شامل يتعدى الكلمة في الآية والآية في الآيات إلى بناء السورة جميعها ، حيث تنهض عملا أدبيا مستقلا في ذاته . وقد كان الباقلاني موفقا حين ذكر طائفة من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وخطبه ورسائله ، ليثبت الفارق الواضح بين قوله عليه السّلام ، وما جاء في كتاب اللّه من الإعجاز ، وهو اتجاه سديد ، لأنه يدحض حجة من نسبوا القرآن إلى رسول اللّه من الملاحدة مرددين قول المشركين من قبل : إنه افتراه ، ولو نشاء لقلنا مثل هذا . فلو كان القرآن مفترى من الرسول لتشابه الحديث مع الكتاب في
الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 664 | محمود حمدي زقزوق