تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 661

مساهمون:

ص٦٦١
موضع آخر 24 هذه ناحية ، أما الأخرى ، فقد قال الخطابي : إن الأسلوب الأدبي يعتمد على ثلاثة أشياء : لفظ حامل ، ومعنى قائم به ، ورباط له ، فإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة ، حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ، ولا ترى نظما أحسن تأليفا ، وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه ، أما المعاني فلا خفاء على ذي عقل ، أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها ، والترقي إلى أعلى درجات الفضل نحو نعوتها وصفاتها ، وقد توجد هذه الصفات على التفرق في أنواع الكلام ، أما أن تكون مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير ، فتفهّم الآن واعلم أن القرآن صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن مضمون التأليف مضمنا أصح المعاني . وهذا ما بسطه الخطابي إلى أن قال : 25 « أما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر لأنها لحام الألفاظ ، وزمام المعاني ، وبها تنتظم أجزاء الكلام ، ويلتئم بعضه فوق بعض ، فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان » . وذلك قول يحدد نظرية النظم ، كما أتى بها عبد القاهر في ( دلائل الإعجاز ) تحديدا تتضح به المعالم المتفرقة في أشتات من قول الجاحظ ومن تلاه ، ولئن أعوزنا أن نثبت اطلاع عبد القاهر على ما كتب الخطابي ، فذلك لا يمنع القول باهتداء الخطابي إلى أصل قوى من أصول الإعجاز ، نهضت عليه صروح أقامها المخالفون ، بعد أن وضع ثابت الأساس ، وقد وجّهت بعض الاعتراضات المغرضة إلى النصوص التعبيرية في القرآن فنهض الخطابي للرد عليها ، وأفرد لها جزءا من رسالته ، شأنه في ذلك شأن ابن قتيبة في ( تأويل مشكل القرآن ) ، ولكنه توسع عنه في التعبير لأن تأخره الزمنى أتاح له ما لم يتح لسابقه . فمما توجهت الشبهة به إلى اللفظ ، وقوف المعترضين عند قوله تعالى :
فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ
. 26 زاعما أن كلمة افترس أصح من كلمة « أكل » إذ أن الافتراس خاص بالسباع ، أما الأكل فيعم كل آكل من الحيوان والإنسان ، وهو اعتراض تردد أيام الجاحظ ، وأجاب عنه بألمعيته المشهورة ، وجاء الخطابي فأدلى بدلوه في الدلاء حين قال : « إن الافتراس معناه في فعل السبع ، القتل فحسب ، وأصل الفرس دق العنق ، والقوم إنما ادعوا على الذئب أكله أكلا ، إذ أتى على