تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 660

مساهمون:

ص٦٦٠
اللّه مقدما ذلك بتمهيد يتحدث عن قضية الذوق الأدبي ، ومدى الاستناد إلى ارتياح الناس له دون تحديد ، فقال : « وزعم آخرون أن إعجازه من جهة البلاغة ، ووجدت عامة أهل هذه المقالة ، قد جروا في تسليم هذه الصفة للقرآن على نوع من التقليد وضرب من غلبة الظن دون التحقيق له ، وإحاطة العلم به ، ولذلك صاروا إذا ما سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التي اختص بها القرآن ، الفائقة في وصفها سائر البلاغات ، وعن المعنى الذي يتميز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة ، قالوا إننا لا يمكننا تصويره ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم مباينة القرآن غيره من الكلام ، وإنما يعرفه العالمون عن سماعه ضربا من المعرفة لا يمكن تحديده . . . وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع وهشاشة في النفس ، لا توجد مثلها لغيره ، والكلامان معا فصيحان ثم لا يوقف لشئ من ذلك على علة . قلت : وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم ، ولا يشفى من داء الجهل به ، وإنما هو إشكال أحيل به على اتهام » . 22 فأنت تراه لا يجعل الارتياح النفسي بعض أسباب الاستحسان الأدبي إلا إذا قرن بتعليل ودليل ، وهذا ما نهض للإجابة عنه حين تحدث عن أسلوب القرآن ، فذكر « أن أجناس الكلام مختلفة ، ومراتبها في نسب البيان متفاوتة ، فمنها البليغ الرصين الجزل ، ومنها الفصيح القريب السهل ، ومنها الجائز المطلق المرسل ، وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود ، دون النوع الهجين المذموم ، الذي لا يوجد في القرآن شئ منه البتة ، فالقسم الأول أعلى طبقات الكلام وأرفعه ، والقسم الثاني أوسطه وأقصده ، والقسم الثالث أدناه وأقربه ، فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حفنة ، وأخذت من كل نوع من أنواعها بشعبة ، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة ، وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادين ، لأن العذوبة نتاج السهولة ، والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوعورة . فكان اجتماع الأمرين في نفسه ، مع نبو كل منهما على الآخر فضيلة خص بها القرآن ، يسرها اللّه بلطيف قدرته من أمره ، لتكون آية بينة لنبيه ، ودلالة على صحة ما دعا إليه من أمر ربه . 23 وهذا كلام جيد . والذين تعرضوا له بالتحليل فهموا منه أن الجزالة والعذوبة يجتمعان في القرآن معا : كلّ في موضعه على انفراد ، بحيث تكون آية عذبة ، وآية جزلة ، وفق ما تقتضى المعاني : ولكني أفهم منه ما يدل على امتزاج الرقة بالجزالة في تعبير واحد . وهو ما فصّلت الحديث عنه في
الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 660 | محمود حمدي زقزوق