تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 658

مساهمون:

ص٦٥٨
علما من أعلام النحو في عصره ، وقورن بأبى علىّ الفارسي ، وكاد يرجحه عند قوم ، وتأليفه في النحو على وجه التفريع والتقسيم والإكثار من المصطلحات كان واضحا في حديثه عن الإعجاز ، إذ بدأ بتقسيم البلاغة إلى طبقات ثلاث ، ثم ثنى بتقسيم مسائلها إلى عشرة أقسام هي الإيجاز والتشبيه والاستعارة والتلاؤم والتواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان ، وأوضح كل قسم بما توسع فيه من الاستشهاد المتعدد ، ويطول بنا القول لو تتبعناه في كل ما كتب ، ولكننا نشير إلى ما ينبئ عن اتجاهه فحسب ، فقد بدأ بالحديث عن الإيجاز فقسمه إلى إيجاز حذف وإيجاز قصر ، فتابعه البلاغيون على اصطلاحه ، واستشهد بمثل قول اللّه عز وجل
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها
13 فقال : « كأنه قيل حصلوا على النعيم المقيم الذي لا يشوبه التنغيص ، وإنما صار الحذف في مثل هذا - يريد حذف جواب الشرط - لأن النفس تذهب فيه كل مذهب ، ولو ذكر الجواب لقصر على الوجه الذي تضمنه البيان فحذف الجواب في قولك « لو رأيت عليا بين الصفين » أبلغ من الذكر لما بيناه . 14 ثم تعرض للموازنة بين قول اللّه تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
15 وقول من قال ( القتل أنفى للقتل ) فأفاض على غير عادته ليردّ على من لغا لغوا سفيها في هذا المجال . فكان أول من كتب في هذه الموازنة ، وقد تبعه من جاء بعده وهم كثيرون ، حتى جاء الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في هذا العصر فلم يدع مجالا لقائل ، أما ما كتبه في الاستعارة فقد كان أوضح نسبيا مما كتبه عن الإيجاز إذ تخلى عن الكزازة الضيقة في التعبير هناك . وتمثل لذلك بما ذكره عن قول اللّه عز وجل :
إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ ( 7 ) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
16 حيث قال : شهيقا ، حقيقته صوتا فظيعا كشهيق الباكي ، والاستعارة أبلغ وأوجز ، والمعنى الجامع بينهما قبح الصوت ، « تميز من الغيظ » حقيقته من شدة الغليان بالاتقاد ، والاستعارة أبلغ منه وأوجز ؛ لأن مقدار شدة الغيظ على النفس محسوس مدرك بما يدعو إليه من شدة الانتقام في الفعل ، وفي ذلك أعظم الزجر وأبلغ الوعظ ، وأول دليل على سعة القدرة وموقع الحكمة ، ومنه :
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
17 أي تستقبلهم للإيقاع بهم استقبال مغتاظ يزفر غيظا عليهم ، وكذلك قال الرماني عن قوله تعالى :
فَضَرَبْنا عَلَى
الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 658 | محمود حمدي زقزوق