تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 656

مساهمون:

ص٦٥٦
والاستعارة وغيرها من الأبواب إلا بعد أن عرض لهم الجاحظ فنونا مترفة من استشفافه الذوقى لكتاب اللّه ، ولن نرسل القول إرسالا دون شواهد صريحة توضح ما نعنيه . 9 . أجل تحدث الجاحظ عن ألفاظ القرآن حديثا لم يسمع من أحد قبله إذ قال في الباب الأول من البيان والتبيين : « وقد يستخف الناس ألفاظا ويستعملونها ، وغيرها أحق منها ، ألا ترى أن اللّه تبارك وتعالى لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب ، أو موضع الفقر المدقع ، والعجز الظاهر . والناس لا يذكرون السّغب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة ، وكذلك المطر ، لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام ، والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وذكر الغيث ، ولفظ القرآن الذي عليه نزل أنه إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع ، وإذا ذكر سبع سماوات لم يقل الأرضين ألا تراه لا يجمع الأرض أرضين ولا السمع أسماعا ، والجاري على أفواه العامة غير ذلك . 10 وقد جاء من بعد الجاحظ من كشف عن أسرار هذه الكلمات ، وحسنها في موضع ، وعدم لياقتها في موضع آخر اقتداء بكتاب اللّه ورجوعا إلى البيان والتبيين في الإسناد . أما حديث الجاحظ عن الصورة البيانية في القرآن فقد كثرت أمثلته ، وكتاب الحيوان بالتراث معرض رائع لهذا الحديث ، واكتفى بمثل واحد من هذا المجال : قال الجاحظ تحليلا لقول اللّه عز وجل
طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
11 « زعم أناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن لها منظر كريه ، والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير وقالوا : ما عنى إلا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم ، فقال أهل الطعن والخلاف : ليس يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فتتوهمه ، ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق أو خبر صادق ، ومخرج الكلام يدل على التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها ، وعلى أنه لو كان شئ أبلغ في الزجر من ذلك لذكره ، فكيف يكون الشأن كذلك والناس لا يفزعون إلا من شئ هائل قد عاينوه . . . إلى أن قال : قلنا : وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط ، ولا صوّر رءوسها لنا صادق بيده ، ففي إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان ، حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين ، أحدهما أن يقولوا : لهو أقبح من الشيطان ، والوجه الآخر : أن يسمى الجميل شيطانا على جهة التطير له كما تسمى الفرس الجميلة شوهاء والمرأة الجميلة صماء
الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 656 | محمود حمدي زقزوق