وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
[ سورة البقرة ؛ الآية : 163 ] . فما كان من الوثنيين إلّا أن قالوا :
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
[ سورة ص ؛ الآية : 5 ] واستجابت النفوس الطاهرة . . . ودخل الناس في دين اللّه أفواجا وسارت جموع المسلمين يرددون في مسمع الدنيا : ( لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه ) .
وهكذا عاد الإنسان إنسانا بعد أن كان أذل من البهائم والأحجار ، وهكذا عاد المعبود هو الخالق البارئ المصوّر بعد أن كان العجل والثعلب والتمر والحجر .
بل هكذا تغير وجه العالم ، وتبدلت مسيرة الإنسانية واهتدى الناس إلى الصراط المستقيم حيث تدارك اللّه بلطفه هذا الخلق ، فأنزل القرآن ، وراح رسوله الكريم صلّى اللّه عليه وآله وسلم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويهذّب طباعهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، فأنقذ العالم من دمار ماحق ، وبدد عن وجه الدنيا اكفهرار ليل دامس ، وأرسى في متون الأرض من قواعد التحرير والهداية والرشاد ، ومعالم المعرفة والإصلاح ما لا تقوى عليه حملات الجاهليين ، ولا دعاوى المغمورين ، ولا مزاعم الحاقدين إلى يوم الدين .
ولم يقف دور القرآن في تحرير عقول الناس عند مستوى تقرير حاجات الناس العقيدية والتشريعية والخلقية ، بل وقام بدور التوفيق بين نوازع الروح وغرائز الجسد ، والتنسيق بين مصالح الفرد ومصالح الجماعة ، وأثبتت رسالته خلال التطبيق والتجربة الاجتماعية التي عاشتها تطابقا فذا مع فطرة الإنسان في كل ما جاءت به ، وجدارة فريدة في السيادة والهيمنة على الإنسان من داخله ، وتنظيما عجيبا للفرد والأسرة والمجتمع :
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
[ سورة إبراهيم ؛ الآية : 1 ] .