المطلب الثالث طبيعة التحرير القرآنية
أ - دور القرآن :
إن الطبيعة القرآنية لتحرير العقول ، لا تكتفي بتغيرات ظاهرية في مناهج التفكير وأساليب العمل . وإنما تمتد إلى أعماق العقل والنفس ، وتحدث انقلابا جذريا في الأسس والقواعد ، التي تصدر عنها عقائد الناس وأفكارهم ومشاعرهم وعواطفهم ، فتغيير ( جوّاني ) الإنسان يكفل تغيير ( برّانيّه ) كما يكفل ديمومة واستمرار آثار التغيير . قال سبحانه :
. . . إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ . . .
[ سورة الرعد ؛ الآية : 11 ] .
ولقد وجدنا - فيما سبق - عقائد العالم والعرب قبل الإسلام ، حيث كان العجل والثعلب والريح والشمس والنجوم والحجر والنار وغير ذلك أقدس مكانة وأعز منزلة من الإنسان ، وكان الإنسان العبد الذليل الضارع لهذه الأرباب .
وأطل الإسلام ، ودوّى صوت القرآن ، فجعل الإنسان أعز ما في ملكوت اللّه ، وكل ما في الكون من كائنات في السماء أو في الأرض مسخرة لخدمته :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ . . .
[ سورة الإسراء ؛ الآية : 70 ] .
أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ . . .
[ سورة لقمان ؛ الآية : 20 ] فأعاد القرآن للإنسان الثقة بنفسه ، وعندئذ اهتز العقل الإنساني هزة تساقطت عندها جميع أوهام وخرافات السنين السحيقة وتهاوت كل الآلهة التي يخلقها الناس ويعكفون عليها ويخرّون لها ساجدين ، واستيقظت النفوس ، واشرأبت الأعناق تستشرف فجر الدين الجديد وتصيخ لنداء القرآن :