العظيمة ، ليمتلئ قلبه صلّى اللّه عليه وآله وسلم بالعلوم القرآنية ، والحقائق الكونية الجليلة ، قال الزنجاني : ( على أنه يمكن أن نقول بأن روح القرآن ، وهي أغراضه الكلية التي يرمي إليها تجلت لقلبه الشريف ، في تلك الليلة
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
[ سورة الشعراء ؛ الآية : 194 ] ) .
فيكون معنى قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا
[ سورة الإنسان ؛ الآية : 23 ] . وقوله سبحانه :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
[ سورة الإسراء ؛ الآية : 106 ] . ونظائرها من الآيات يفيد ( التنزيل ) لا ( الإنزال ) ، وهو تنزيل القرآن منجما وبصورة تدريجية . قال ابن عباس : ( أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة « 1 » ، وعنه أيضا أنه قال : في
الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
نزّل جبرائيل بالقرآن جملة إلى السماء الدنيا . . . ثم نزل به بعد ذلك على محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، يوما بيوم ، آية وآيتين وثلاثا ، وسورة . . . ) « 2 » .
ولعل تنزيل القرآن تمّ لعلل منها : تربية الأمة وترويضها وهدايتها وتمكينها من التطبيق والالتزام بالأحكام وما إليه مما سنذكره فيما بعد إن شاء اللّه تعالى .
ويتبيّن أن القرآن الكريم قد أنزل دفعة إجمالية على الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم أو إلى السماء الدنيا . ثم تدرج نزوله طيلة حياته بعد البعثة .
ومن هذا البيان نفهم قوله تعالى :
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
[ سورة هود ؛ الآية : 1 ] . فإنها تشير إلى القرآن حالة كونه محكما وقد أنزله اللّه تعالى على الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم دفعة
هامش
( 1 ) ابن كثير : فضائل القرآن ص 2 .
( 2 ) تنوير المقباس : تفسير ابن عباس ، مطبوع مع الدر المنثور للسيوطي ج 1 / 86 .