البعثة النبوية ، وإن أول ما نزل من القرآن هو في شهر رجب ، فكيف يمكن التوفيق بين ما يبدو من تعارض ؟ .
لا بدّ من التفريق بين معنى الإنزال والتنزيل . والأصل في ( النزول ) هو الورود على المحل من علو ، والعلو كما يكون مكانيا :
فيقال علا الطائر إذا ارتفع عن مستوى الأرض ، فقد يكون شأنيا : فيقال علا مستوى الطلبة - مثلا - حين تزداد معارفهم ويرتفع مستوى معلوماتهم .
فللإشارة إلى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، تلقى القرآن الكريم من جهة عليا هي اللّه تعالى جاء التعبير عن وحيه بالنزول .
على أن هنا فرقا بين ( الإنزال ) و ( التنزيل ) رغم دلالتيهما على الورود التدريجي .
وحين يتضح معنى كل من الإنزال والتنزيل فلا يبقى تعارض ، ويكون معنى قوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
وقوله تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
في رأي عدد من العلماء ، هو النزول الدفعي للقرآن الكريم ، أو الإجمالي ، بمعنى ( أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعدها منجما ) قال الزركشي : وهذا القول أشهر وأصح ، وإليه ذهب الأكثرون « 1 » .
وقال القسطاني ( كما أنه كان في نزوله مع أفضل الملائكة في ليلة مباركة إلى سماء الدنيا جملة واحدة في بيت العزة خيرات متزايدة ) « 2 » .
ويبدو أن الهدف من إنزال القرآن دفعة واحدة ، للمرة الأولى ، هو تنوير النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بالمعارف الإلهية الكبرى ، وأسرار الكون
هامش
( 1 ) البرهان ج 1 / 228 .
( 2 ) لطائف الإشارات ج 1 / 21 .