تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢

القسم الثامن عشر التجوز في الافعال وهو على عشرة أقسام وتحت كل قسم منها أقسام :

الأول : التجوز بالماضي عن المستقبل تشبيها له في التحقيق ، والعرب تفعل ذلك لفائدة وهو أن الفعل الماضي إذا أخبر به عن المضارع الذي لم يوجد بعد كان أبلغ وآكد وأعظم موقعا وأفخم بيانا ، لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى أنه قد كان وجد وصار من الأمور المقطوعة بكونها وحدوثها . ومنه قوله تعالى :
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ
فإنه إنما قال - ففزع - بلفظ الماضي بعد قوله - ينفخ - وهو مستقبل للاشعار بتحقق الفزع وثبوته وأنه كائن لا محالة واقع على أهل السماوات والأرض ، لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل بكونه مقطوعا به . ومن هذا الجنس قوله تعالى :
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً
فبرزوا بمعنى يبرزون يوم القيامة وانما جيء به بلفظ الماضي لان ما أخبر اللّه به لصدقه وصحته فإنه قد كان ووجد . ومثل ذلك قوله عز اسمه :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
فأتى هاهنا بمعنى يأتي وإنما حسن فيه لفظ الماضي لصدق إثبات الأمر ودخوله في جملة ما لا بد من حدوثه ووقوعه فصار يأتي بمنزلة أتى ومضى . وكذلك قوله تعالى :
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً
فإنه انما قال -
الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 52 | ابن قيم الجوزية