الذي يدعى أمرا وأنت تنكره - متى كان هذا أفي ليل أم نهار - وتقديره لو كان لكان إما في ليل ، وإما في نهار ، ولما لم يوجد فيهما ثبت أنه ليس بموجود أصلا . فكذلك تقول في الآية فإنها نفي لأصل الإذن لنفي أقسامه ، وذلك أبلغ في النفي . وكذلك قوله تعالى :
أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ
حصل الانكار هاهنا بنفس الالزام . . وكذلك قول الشاعر :
أتقتلني والمشرفيّ مضاجعي
واعلم أن الاستفهام بمعنى الانكار حاصله راجع إلى تثبيت السامع على فساد ذلك الشيء حتى يرجع إلى نفسه ، فيخجل ويرتد عنه ، فعلى هذا لا يتصور الّا بالمحال على سبيل أن يقال له - أنت في دعواك كمن يدعي المحال - وعلى هذا جعل قوله تعالى :
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ
وليس اسماع الاسم مما يدعيه أحد فيكون لذلك الانكار ، وإنما المعنى فيه تنزيل من يحاول اسماعهم منزلة من يحاول اسماع الصم ، وإنما قدم الاسم في هذه الآية ولم يقل - أفتسمع الصم - لمعنى وهو اختصاصه صلى اللّه عليه وسلم كأنه تعالى قال له صلى اللّه عليه وسلم : أنت خصوصا تظن أنك تقدر على اسماعهم ، فتكون بمنزلة من ظن أن لنفسه قدرة على اسماع الصم . . واعلم أن حال المفعول في ذلك كحال الفاعل فإذا قدّمت المفعول توجه الانكار إلى كونه بمثابة أن يوقع به مثل ذلك الفعل فإذا قلت - أزيدا تضرب كان على هذا الحكم ولهذا قدّم - غير - في قوله تعالى :
قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا
. ومن ذلك قوله تعالى :
أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ
وقد تقدم بيانه فإنهم بنوا كفرهم على أن البشر ليس بمثابة أن يتبع ويطاع . .
واعلم أن صيغة المستقبل إما أن يكون الاسم مقدما أو الفعل فإن كان الاسم مقدما اقتضى شبيها بما اقتضاه في الماضي بمطالبته من الاقرار بكونه فاعلا فالانكار لذلك .