تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
عنه . ولما كان كذلك كان بمنزلة لحم الأخ في كراهته ، ومن المعلوم أن لحم الانسان مستكره عند انسان آخر مثله ، الّا أنه لا يكون مثل كراهة لحم أخيه ، وهذا القول مبالغة في الاستكراه لا أمد فوقها . وأما قوله - ميتا - فلأجل ان المغتاب لا يشعر بغيبته ولا يحس بها . . وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة . موصولا بالمحبة فلما جبلت عليه النفوس من الميل إلى الغيبة والشهوة لها مع العلم بأنها من أذم الحلال ، ومكروه الافعال عند اللّه عز وجل والناس . ومن هذا القسم قوله تعالى :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
فمثل البخل بأحسن تمثيل لأن البخيل لا يمد يده بالعطية كالمغلول الذي لا يستطيع أن يمد يده وإنما قال - ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك - ولم يقل ولا تجعل يدك مغلولة من غير ذكر العنق لأنه قد قال تعالى - ولا تبسطها كل البسط - فناب ذكر العنق عن قوله كل الغل ، لأن غل اليدين إلى العنق هي أقصى الغايات التي جرت العادة بغل اليد إليها . . ومن أمثال العرب - إياك وعقيلة الملح - وذلك تمثيل للمرأة الحسناء في المنبت السوء لأن عقيلة الملح هي الذرة . . ومن التمثيل قول ابن الدّمينة :
أبيني أفي يمني يديك تركتني * فأفرح أم صيرتني في شمالكي
أي أبيني أمنزلتي كريمة عندك أم هينة عليك فذكر اليمين وجعلها مثالا لإكرام المنزلة ، وذكر الشمال وجعلها مثالا لهوان المنزلة ، لأن اليمين اشرف مكانة من الشمال وأكرم محلا ، وفي القرآن العظيم ما يدل على ذلك وهو قوله تعالى :
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ
إلى قوله :
وَماءٍ مَسْكُوبٍ
فلما جاء إلى ذكر الشمال قال تعالى :
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ
الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 189 | ابن قيم الجوزية