تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
وأما الثاني : فالمعنى الذي أتى بها من أجله هو الإجمال في الخطاب والدفع بالتي هي أحسن والتجنب للهجر من القول إذا هو أرسخ في الألفة وأمكن . قال اللّه تعالى :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
. وأما الثالث : فقد اختلفت عبارات أهل هذه الصناعة فيها وآثرها ما ذكره ابن الأثير في جامعه قال : إن الكناية على قسمين : قسم يحسن استعماله . وقسم لا يحسن استعماله . فأما الضرب الأول وهو الذي يحسن استعماله فينقسم إلى أربعة أقسام : الأول : التمثيل وهو التشبيه على سبيل الكناية ، وذلك أن تراد الإشارة إلى معنى فتوضع ألفاظ على معنى آخر ، وتكون تلك لألفاظ ، وذلك المعنى مثالا للمعنى الذي قصدت الإشارة إليه ، والعبارة عنه كقولنا - فلان نقي الثوب - أي منزّه عن العيوب ، وللكلام بهذا فائدة لا تكون لو قصد المعنى بلفظه الخاص به ، وذلك لما يحصل للسامع من زيادة التصوير المدلول عليه ، لأنه إذا صور في نفسه مثال ما خوطب به كان ذلك أسرع إلى الرغبة فيه أو الرغبة عنه . فمن بديع التمثيل قوله تعالى :
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
فإنه مثل الاغتياب يأكل الانسان لحم انسان آخر مثله ، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله لحم لأخ ، ولم يقتصر على لحم الأخ حتى جعله ميتا ثم جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة ، فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مناسبة مطابقة للمعنى الذي وردت لأجله . فأما تمثيل الاغتياب بأكل لحم انسان آخر مثله ، فشديد المناسبة جدا ، وذلك لأن الاغتياب إنما هو ذكر مثالب الناس وتمزيق أعراضهم ، وتمزيق العرض مماثل لأكل الانسان لحم من يغتابه لأن أكل اللحم فيه تمزيق لا محالة ، وأما قوله لحم أخيه ، فلما في الاغتياب من الكراهة ، لأن أرباب العقل والشرع قد أجمعوا على استكراهه وأمروا بتركه والبعد