تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ
فاعرف ذلك . الثاني : الارداف وهو اسم سماه قدامة بن جعفر الكاتب قال : اعلم أن أكثر علماء هذه الصناعة قد أدخلوا الأرداف في التمثيل ، وفي الفرق بينهما اشكال ودقة فأما التمثيل فقد سبق الاعلام به ، وهو أن يراد الإشارة إلى معنى فتوضع الالفاظ على معنى آخر فتكون تلك الالفاظ ، وذلك المعنى مثالا للمعنى الذي قصدت الإشارة اليه ، والعبارة عنه كقولنا - فلان نقي الثوب - أي منزه عن العيوب . وأما الأرداف فهو أن يراد الإشارة إلى معنى فيترك اللفظ الدال عليه ، ويؤتى بما هو دليل عليه ورادف له كقولنا - فلان طويل النجاد - والمراد طويل القامة إلّا أنه لم يتلفظه بطول القامة الذي هو الغرض ، ولكن ذكر ما هو دليل على طول القامة ، وليس نقاء الثوب بدليل على النزاهة عن العيوب وإنما هو تمثيل لها فاعرف ذلك . واعلم أن الأرداف يتفرع إلى خمسة فروع . . الأول : فعل البداهة كقوله تعالى :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ
أي انه سفيه الرأي بمعنى أنه لم يتوقف في كلامه وقت ما سمعه ، ولم يفعل كما تفعل المراجيح العقول المتثبتون في الأشياء ، فإن من سفاهتهم إذا ورد عليهم أمر أو سمعوا خبرا أن لا يستعملوا فيه الروية وتأنوا في تدبره إلى أن يصح لهم صدقه أو كذبه . ألا ترى أن معنى قوله - كذّب بالحق لما جاءه - أي انه ضعيف العقل عازب الرأي فعدل عن ذلك إلى ما هو دليل عليه ورادف له وذلك آكد وأبلغ . ومن ذلك قوله تعالى :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ
ومثله في القرآن كثير . الثاني : من الأرداف باب المثل وهو ان العرب تأتي بمثل في هذا توكيدا للكلام وتشييدا من أمره يقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبح -