تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
وأما الثالث فهو الذي لا يلزم تقديمه زيادة في المعنى ويكون الأحسن تأخيره فإذا قدّم كان ذلك مفاضلة معنوية ، وذلك كتقديم الصفة على الموصوف ، والعلة على المعلول ، ونحو ذلك . وهذا لا يمكن وروده في القرآن لركته وسماجته مثاله قول الفرزدق :
وما مثله في الناس إلا مملّكا * أبو أمه حيّ أبوه يقاربه
معناه : وما مثله في الناس حيّ يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه . وقال أيضا :
إلى ملك ما أمه من محارب * أبوه ولا كانت كليب تصاهره
معناه إلى ملك أبوه ما أمه من محارب أي ما أم أبيه منهم . وقال أيضا :
وليست خراسان الذي كان خالد * بها أسد إذ كان سيفا أميرها
معناه ليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفا إذ كان أسد أميرها . والغرض مدح خالد وذم أسد المتولي بعده . وأما الرابع : فهو ما يتكافأ تقديمه وتأخيره ، وهذا كالحال فإنه يقدّم كقولك - جاء راكبا زيد - ويؤخر كقولك - جاء زيد راكبا - وهما سواء . وكذلك المستثنى كقولنا - ما قام إلا زيدا أحد . وما قام أحد إلا زيدا - ، وقد وقع في الكتاب العزيز آيات فيها تقديم وتأخير جارية على نمط ما تقدّم . من ذلك قوله تعالى :
حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها
. وقوله تعالى :
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ
على قول من قال إن الذكر هاهنا القرآن . . وقال بعض العلماء في قوله تعالى :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ
أن في
الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 124 | ابن قيم الجوزية