تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
وأما إذا كان الظرف في النفي فإن تقديمه يفيد تفضيل المنفي عنه كما في قوله تعالى :
لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ
أي ليس في خمر الجنة ما في خمر غيرها من الغول . وأما تأخيره فإنما يفيد النفي فقط كما في قوله تعالى :
ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
وكذلك إذا قلت لا عيب في الدار كان معناه نفي العيب عن الدار ، وإذا قلت لا في الدار عيب كان معناه انها تفضل على غيرها بعدم العيب . . وأما الثاني فهو ما لا يلزم تقديمه زيادة في المعنى ، ومع ذلك يكون تقديمه أحسن ، وهذا إنما يكون كذلك لأمر يتعلق بالمتقدم والمتأخر ، أو لأمر خارج عنهما . والذي لأمر يتعلق بهما إما أن يكون ذلك بالنسبة إلى شيء خارج عنهما ، أو لا يكون كذلك ، فالأول كما إذا كان التقدم أدل على قدرة الخالق من التأخر كقوله تعالى :
فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ
. والثاني : إما أن يكون للمتقدم تأثير في وجود المتأخر أو لا يكون كذلك « 1 » . والثاني كما إذا كان المتقدم أكثر وجوبا كما في قوله تعالى :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ
والأول : إما أن يكون المتقدم في الوجود المتأخر بالذات ، أو بالعرض . أما الذي بالذات فكما في قوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً
فإنه قدم الإنعام لأن صلاح حالها سبب لصلاح حال الناس . وأما الذي بالعرض فكما في قوله تعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
فإنه قدم العبادة لأنها وسيلة إلى تحصيل الاستعانة . وأما الذي يكون كذلك لأمر خارج عن المتقدم والمتأخر ، فأما أن يكون ذلك لأجل كلام تقدم ، أو لا يكون
هامش
( 1 ) بياض في الأصل .
الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 122 | ابن قيم الجوزية