تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
كذلك . والذي لأجل الكلام المتقدم ، إما أن يكون لتعلق المذكور ، أوّلا به أو لتعلقه هو بالمذكور أوّلا ، والأول كما في قوله تعالى :
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
فإنه قدم - الأرض - لأن هذا بعد قوله تعالى :
وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ
وهذا الخطاب لأهل الأرض وعملهم يكون في الأرض . والثاني إما أن يكون ذلك لما يتعلق بمعنى الكلام الأول ، أو بلفظه . والمتعلق بمعناه كما في قوله تعالى :
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
فإنه قدّم الشقي لأن المراد بهذا وما قبله التخويف . والمتعلق بلفظه كما في قوله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ
. ثم قال :
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ
فإن تقديم حال الأشقياء هاهنا لأجل تقديمه أوّلا الشقي . والذي يكون كذلك لا لأجل المتقدم إما أن يكون لأجل حال في الكلام نفسه أو لا يكون كذلك . والثاني كما في قوله تعالى :
يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ
فإن تقديم الإناث هنا إنما كان لأن المقصود بيان أن الخلق كله بمشيئته سبحانه وتعالى لا على وفق العباد . والأول كما إذا كان يتم بذلك السجع ، وذلك كما في هذه الآية ، وكما في قوله تعالى :
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ
ولو قال : ثم صلوه الجحيم لأفاد المعنى ، ولكن كان يفوت السجع ، فلذلك كان الأحسن تقديم الجحيم . وقيل إن هذه الصورة تفيد أيضا الاختصاص كما في القسم الأوّل . . قال الامام فخر الدين وهو الذي يظهر لي وان منعه الآخرون ، فهذه أسباب عشرة ، وقد يجتمع في شيء واحد عدة منها فيكون تقديمه أولى ، وإذا تعارضت أسباب روعي أقواها ، وإن تساوت كان المتكلم بالخيار في تقديم أي الامرين معا .