القوم أم لا ؟ فإن كان حقّاً فألحنوا لي لحناً « 1 » أعرفه ، ولاتفتّوا في أعضاد الناس ، وإن كانوا غير ناقضين فأجهروا به للناس ، قال فخرجوا حتى أتوهم ، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم فيما نالوا من رسول اللَّه وقالوا : مَن رسول اللَّه ؟ لاعهد بيننا وبين محمد ولاعقد ، فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه ، وكان رجلًا فيه حدّه ، فقال له سعد بن عبادة : دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أعظم من المشاتمة ، فأقبلا إلى رسول اللَّه فسلّموا عليه ، وقالوا : « عضل والقارة » أيغدروا كغدر عضل والقارة ، وأصحاب الرجيع ، فقال رسول اللَّه : اللَّه أكبر ! أبشروا يا معشر المسلمين . وعظم عند ذلك البلاء واشتدّ الخوف وذلك لأنّهم لو قطعوا المير والمدد وفتحوا الطريق للأحزاب ، لدخلوا المدينة واستأصلوا أهلها ، فما مضى وقت حتّى بدت بوادر النقض فقطعوا المدد والميرة عن المسلمين ، وخرجوا يطيفون في أزقّة المدينة ، يخوّفون النساء والصبيان . قالت صفيّة وكانت في حصن « حسّان » : مرّ بنا رجل من اليهود فجعل يطيف بالحصن ، فقلت : يا حسّان ! إنّ هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وإنّي واللَّه ما آمنه أن يدلّ على عورتنا مَنْ وراءنا من يهود ، وقد شغل عنّا رسول اللَّه وأصحابهم ، فانزل إليه فاقتله . قال : يغفر اللَّه لك يا ابنة عبد المطلب ! واللَّه لقدعرفت ما أنا بصاحب هذا ! قالت : فلمّا قال لي ذلك ، ولم أر عنده شيئاً إحتجزت « 2 » ثمّ أخذت عموداً ثمّ نزلت من الحصن إليه ، فضربته بالعمود ، حتّى قتلته . قالت : فلمّا فرغت منه ، رجعت إلى الحصن « 3 » .
ثمّ إنّه سبحانه سلّط على الأحزاب البرد والريح الشديدة ، وفرّق كلمتهم على وجه سيوافيك تفصيله ، وتفرّقوا وجلوا عن جوانب المدينة ورجعوا إلى أوطانهم من دون أن ينالوا من المسلمين شيئاً . ولم يكن عود الأحزاب بعد فصل الشتاء أمراً غير بعيد في نظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبنو قريظة هم الأعداء الغدرة ، ومن الممكن أن يتكرّر التاريخ ويقع المسلمون في مغبّته ، وبينما كان النبيّ يفكر في
هامش
( 1 ) . أيتكلّموا بالإشارة والتعريض ، ولاتوهنوا عزائم المسلمين .
( 2 ) . شددت معجري .
( 3 ) . السيرة النبويّة لابن هشام ، ج 2 ص 228 .