الأسقف الأعظم « 1 » .
فجاءوا إلى النبي حتّى دخلوا على رسول اللَّه وقت العصر ، فدخلوا المسجد وعليهم ثياب الحبرات « 2 » وأردية الحرير مختمين بخواتيم الذهب وأظهروا الصليب وأتوا رسول اللَّه فسلّموا عليه ، فلم يرد عليهم السلام ولم يكلّمهم ، فانطلقو يبتغون عثمان بن عفّان وعبد الرحمن بن عوف وكان لهما معرفة بهم فوجدوهما في مجلس من المهاجرين ، فقالوا : إنّ نبيّكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له ، فأتيناه وسلّمنا عليه فلم يردّ سلامنا ولم يكلّمنا . فما الرأي ؟
فقالا لعلي بن أبي طالب : ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ قال : أرى أن يضعوا حللهم هذه ، وخواتيمهم ثمّ يعودون إليه ، ففعلوا ذلك ، فسلّموا فردّ عليهم سلامهم ، ثمّ قال : والذي بعثني بالحق لقد آتيتموني المرّة الأولى وإنّ إبليس لمعكم « 3 » .
وكانوا قد آتوا معهم بهديّة وهي بسط إلى النبيّ فيها تماثيل ومسوح ، فصار الناس ينظرون للتماثيل ، فقال : أمّا هذه البسط فلا حاجة لي فيها ، وأمّا هذه المسوح فإن تعطونيها آخذها ، فقالوا : نعم نعطيكها ، ولمّا رأى فقراء المسلمين ما عليه هؤلاء من الزينة والزيّ الحسن ، تشوّقت نفوسهم ، فنزل قوله سبحانه :
« قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوا عِنْد رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيها وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ » ( آلعمران / 15 ) .
ثمّ أرادوا أن يصلّوا بالمسجد بعد أن حانت وقت صلاتهم ، وذلك بعد العصر فأراد الناس معهم ، فقال النبي : دعوهم ، فاستقبلوا المشرق فصلّوا صلاتهم فلمّاقضوا صلاتهم ناظروه .
هامش
( 1 ) . دلائل النبوّة ج 5 ص 386 ، الدر المنثور ج 2 ص 38 ، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 66 .
( 2 ) . ثوب من ثياب اليمن .
( 3 ) . السيرة الحلبية ج 3 ص 239 .