ب - « بَلْ لَهُ مَا فِى السَّموَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ » :
إنّ هذه الجملة مشعرة ببرهان دامغ وهو أنّ كل ما في الكون قانت للَّه وخاضع لسلطته ومسخّر ومقهور له ومن هذا شأنه لايتصوّر أن يكون له ولد وذلك لأنّ الولد يكون مماثلًا للوالد ، فكما هو واجب الوجود يكون الولد مشاطراً له في ذلك ، وما هو كذلك لا يمكن أن يكون مقهوراً ومسخّراً لموجود من الموجودات .
ج - « بَدِيعُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ » :
أي انّه سبحانه خالق مبدع لهما وما فيهما والمراد من الإبداع هو خلقهما بلامثال سابق ولامادّة متقدّمة ، فيكون المجموع مسبوقاً بالعدم ، وما هو كذلك كيف يمكن أن يكون ولداً للَّه سبحانه ؟ لما عرفت من أنّ الولد يماثل الوالد في الالوهيّة ووجوب الوجود ، وهو لا يجتمع مع كون السماوات والأرض وما فيهما مخلوقاً حادثاً مسبوقاً بالعدم .
د - « وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » :
وهذه الآية تفيد أنّ سنّة اللَّه تبارك وتعالى في الإيجاد والإنشاء والخلق وأنّه لو أراد إيجاد شيء فإنّه يوجد بلاتريّث أو تلبّث ، ولكنّ الولد إنّما يتكوّن من التقاء النطفتين في رحم الام ثمّ يتكامل تدريجيّاً على امتداد أمد بعيد وهذا لا يجتمع مع مامرّ ذكره في السنّة الحكيمة .
ثمّ إنّ العلّامة الطباطبائي جعل الجمل الثلاث مشيرة إلى برهانين ( لا إلى ثلاثة براهين كما أوضحناه ) فقال :
إنّ قوله : « بَلْ لَهُ مَا في السَّموَاتِ . . . » يشتمل على برهانين ينفي كلّ منهما الولادة وتحقّق الولد منه سبحانه ، فإنّ اتّخاذ الولد هو أن يجزي موجود طبيعي ، بعض أجزاء وجوده ويفصله عن نفسه فيصيّره بتربية تدريجية فرداً من نوعه مماثلًا لنفسه ، وهو سبحانه منزّه عن المثل بل كل شيء ممّا في السماوات والأرض مملوك له قائم الذات به قانت ذليل عنده ذلّة وجودية فكيف يكون شيء من الأشياء ولداً له
مفاهيم القرآن — صفحة 249
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢٤٩