تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
في الأرض ملائكة يمشون كما يمشي البشر ، ويقيمون فيها كما يقيم ويسهل الاجتماع يهم ، وتلقّي الشرائع منهم ، لنزّلنا عليهم من السماء رسلًا من الملائكة للهداية والإرشاد وتعليم الناس ما يجب عليهم تعلّمه ، ولكن طبيعة الملك لا تصلح للاجتماع بالبشر ، فلايسهل عليهم التخاطب والتفاهم معهم ، لبعد ما بين الملك وبينهم ، ومن ثمّ لم نبعث ملائكة ، بل بعثنا خواص البشر ، لأنّ اللَّه قدوهبهم نفوساً زكيّة ، وأيّدهم بأرواح قدسية ، وجعل لهم ناحية ملكية بها يستطيعون أن يتلقّوا من الملائكة ، وناحية بشرية بها يبلّغون رسالات ربّهم إلى عباده « 1 » . وقد نبّه سبحانه إلى عظيم هذه الحكمة وجليل تلك النعمة بقوله : « لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ . . . » ( آل عمران / 164 ) وقوله : « لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيِهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ » ( التوبة / 128 ) . وقوله : « كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُم آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ » ( البقرة / 151 ) إلى غير ذلك من الآيات التي وقع التنصيص فيها بكون الرسول من جنس البشر .

3 - نبذ سنّة الآباء :

التشبّث بسيرة الآباء من الأمور الجبلية للبشر ، خصوصاً فيمن يعيش في واحات الصحراء بعيداً عن الحضارة وأسبابها ، فقد كان العرب متعصّبين على مسلك آبائهم تعصّباً حال بينهم وبين الإيمان بالرسول بحجّة انّه يدعوا إلى خلاف سيرة آبائهم ، وفي ذلك يقول سبحانه : « وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالُوا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَائَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَايَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلايَهْتَدُونَ » ( المائدة / 104 ) وقدعرفت الكلام في ذلك عند البحث عن الدوافع الروحيّة التي منعتهم عن الإيمان إجمالًا .
هامش
( 1 ) . تفسير المراغي : ج 15 ص 97 .
مفاهيم القرآن — صفحة 155 | الشيخ جعفر السبحاني