بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْريّاً وَرَحْمَتُ رَبّكَ خَيْرٌ ممّا يَجْمَعُونَ » ( الزخرف / 32 ) والمعنى إنّهم لا يملكون النبوّة الّتي هي رحمة اللَّه ولطفه الّذي يختصّ به من يشاء من عباده حتّى يمنعوك منها ، فيعطوها من شاؤوا ، فهم عاجزون عن قسمة ما هو دون النبوّة بمراحل وهو معيشتهم في الحياة الدّنيا فنحن قسّمناها بينهم ، فكيف يتدخّلون فيما هو أرفع منزلة منها بما لا يقدّر قدره ، ألا وهي النبوّة الّتي هي من شؤون الباري جلّ وعلا ؟
2 - الرسالة الإلهيّة فوق طاقة البشر .
كان عرب الجاهليّة يزعمون : إنّ الرسالة الإلهيّة فوق قدرة البشر وإنّما هي شؤون الملك ، وإليه يشير قوله سبحانه : « وَاسَرُّوا النّجوَى الّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا الّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أفَتَأتُونَ السِّحْرَ وَأنْتُمْ تُبصِرُونَ » ( الأنبياء / 3 ) وقال سبحانه : « وَمَا مَنَعَ النّاسَ انْ يُؤمِنُوا إذْ جَاءَهُمُ الهُدى الّا انْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا » ( الاسراء / 94 ) ويظهر من غير واحد من الآيات إنّ تلك الظاهرة الفكرية كانت تدور في أذهان أقوام نوح وثمود وعاد من قبل ، حيث اعترضوا على رسلهم بأنّهم بشر مثلهم ، قال سبحانه حاكياً عنهم : « قَالُوا انْ انْتُمْ الّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ انْ تَصُدُّونَا عمّا كَانَ يَعْبُدُ آباؤنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * قَالتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ انْ نَحْنُ الّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ » ( إبراهيم / 10 و 11 ) ويلوح من بعض الآيات إنّ بعض اليهود المعاصرين للنبيّ الأكرم كانوا يتذرّعون بهذه الحجّة الواهية كما يحكي عنهم بقوله : « وَمَا قَدرُو اللَّهَ حَقّ قَدْرِهِ اذْ قَالُوا مَا انْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيءٍ » يقولون ذلك بصلافة ووقاحة في الوقت الذي كانوا يعتقدون بنبوّة موسى وكتابه ، وإليه يشير قوله سبحانه : « قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الَّذِى جَاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً » ( الأنعام / 91 ) .
والقوم على جهل بسر لزوم كون الرسول بشراً لاملكاً ، ولو كانوا على إحاطة به ومنصفين في الحكم لما احتجّوا بمثل تلك الحجّة الواهية ، إذ يترتّب على وجود المماثلة النوعية بين الرسول والمرسل إليه ما لا يترتّب على عدمها وذلك لُامور :