أوّلًا : المسانخة والمماثلة أساس ترتكز عليه القيادة ، فلو عدمت لانتّفت الغاية المنشودة ، فإنّ القائد إذا كان مشاكلًا للمقود يكون واقفاً على حدود طاقات المرسل إليهم وغرائزهم وطبائعهم وميولهم ، فيبادر إلى معالجة ما يعانونه من تخلّف وجهل وإنحطاط كما يقوم بتنمية طاقاتهم وإستعداداتهم في مجالي المادة والمعنى ، إذ يحسّ منهم ما يحسّ من نفسه ، فأين طبيعة الملك من فطرة الإنسان ، فالملك مخلوق على نمط خاص لايحيد عنه فلايتمكّن من العصيان ، وأمّا البشر فقد خلق مخيّراً بين الطاعة والمخالفة إن شاء امتثل وآمن ، وإن شاء إرتدّ وكفر .
وبعبارة ثانية : إنّ الإنسان جبل على غرائز متضادّة سائدة عليه ، ففيه الشهوة والغضب وهما من الميول السفلية في كيان ذاته ، كما فيه الميول العلوية التي تجرّه إلى الخير والإحسان والتجافي عن الطبيعة والتوجّه إلى ماوراءها ، فالإنسان المثالي هو من يقوم بتعديل تلك الفطريّات المتضادّة ، وأمّا الملك فقد جبل على سلوك الخير والطاعة ، فلايقدر على الخلاف والعصيان ، فهل يدرك هذا الموجود المفارق موقف الإنسان الذي خلق هلوعاً .
وثانياً : إنّ القائد كما يهدي بكلامه ومقاله ، يهدي بفعله وعمله ، فهو قدوة في مجالي القول والعمل ، والدعوة بالفعل أرسخ في القلوب من الدعوة بالقول ، وهذا يقتضي وجود السنخية بين الرسول والمرسل إليهم حتّى يكون الرسول في الغرائز الباعثة إلى الشرّ والعصيان ، مثل المرسل إليهم في ذلك المجال ، وبالتالي يكون سلوكه طريق الخير والصلاح حجّة على المرسل إليهم ، ولولا السنخيّة لما تمّت الحجّة وبقي مجال للإعتراض .
وإلى بعض ما ذكرنا يمكن أن يشير قوله سبحانه : « وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا * قُلْ لَوْ كَانَ فِى الأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولًا » ( الأسراء / 94 و 95 ) أيلو وجد
مفاهيم القرآن — صفحة 154
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٥٤