تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
إنّ المتمعّن في أحوال النبيّ ينتهي من خلال هذه التهم إلى أنّه كان رجلًا صالحاً طاهراً ديّناً عفيفاً نقي الجيب مأموناً على المال والعرض والنفس ، لم يدنّس نفسه بفاحشة ولم يتجاوز حقّ أحد قط بل كانت حياته حياة إنسان مثالي ، فلأجل ذلك لم يجد الأعداء سبيلًا إلى رميه بهذه التهم ، فحاولوا أن يتّهموه بأمور نفسيّة يعسر إثباتها كما يعسر نفيها ، وأمّا انّهم كيف اتّهموه بالسحر ؟ فيقول ابن هشام : « إنّ الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش ، إنّه قد حضر الموسم ، وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فاجمعوا فيه رأياً واحداً ، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضاً ، ويرد قولكم بعضه بعضاً ، قالوا : فأنت يا أبا عبد شمس ، فقل وأقم لنا رأياً نقول به ، قال : بل أنتم فقولوا وأسمع ، قالوا : نقول كاهن ، قال : لا واللَّه ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهّان فما هو بزمزمة الكاهن ولاسجعه ، قالوا : فنقول مجنون ، قال : ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ولا تخالُجه ولا وسوسته ، قالوا فنقول : شاعر ، قال : ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كلّه رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه ، فما هو بالشعر ، قالوا : فنقول ساحر ، قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحّار وسحرهم ، فما هو بنفثهم ولاعقدهم ، قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : واللَّه إنّ لقوله لحلاوة ، وإنّ أصله لعذق ، وإنّ فرعه لجناة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلّا عرف أنّه باطل ، وإنّ أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر ، جاء بقول هو سحر يفرّق بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته . فتفرّقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبل النّاس حين قدموا الموسم ، لا يمرّ بهم أحد إلّا حذّروه إيّاه ، وذكروا لهم أمره . فأنزل اللَّه تعالى في الوليد بن المغيرة في ذلك من قوله : « ذَرْني وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهّدْتُّ لَهُ تَمْهِيداً * ثمّ يَطمَعُ انْ ازِيدَ * كَلّا انّهُ كَانَ لآِياتِنَا عَنيداً » أيخصيماً « سَارْهِقُهُ صَعُوداً * انّهُ فَكّرَ وَقَدّر * فَقُتِلَ كَيفَ قَدّرَ * ثُمّ قُتِلَ كَيفَ قَدّر * ثُم نَظَرَ * ثُمّ عَبَسَ وَبَسَر * ثُمّ ادْبَرَ واسْتَكْبَر * فَقالَ انْ هَذا الّا سِحرٌ يُؤثَرُ * انْ هَذَا الّا قَوْلُ البَشَر » ( المدّثّر / 11 - 25 ) .