إنّ اللَّه سبحانه أمر النبي أن يتهدّدهم ويتوعّدهم بأمور :
أ - « قُل تربّصوا فانّي مَعكُم مِنَ المُتربّصين » : انتظروا وتمهّلوا في ريب المنون فإنّي متربّص معكم منتظر قضاء اللَّه فيّ وفيكم وستعلمون لمن تكون حسن العاقبة والظفر في الدّنيا والآخرة .
ب - « أم تأْمرهُمْ أحلَامَهُم بِهذا » ؟ أيهل تأمرهم عقولهم بنشر هذه التّهمة ، فإنّ التهم الثلاث لا تجتمع بحسب مدّعاهم في آن واحد ، فإنّ المجنون من زال تعقّله وإدراكه ، فكيف يقوى على إنشاء الشعر الرصين ، وكيف يكون قوله حجّة في الإخبار عن المغيّبات ؟ .
وقصارى القول : إنّ هؤلاء المتحاملين كانوا قد فقدوا رشدهم فأخذوا يتخبّطون في تهمهم وكلامهم من دون وعي .
ج - « امْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ » : بل الحقّ ، إنّ الذي حملهم على ما يقولون هو عنادهم وعتوّهم عن الحقّ وطغيانهم .
د - « امْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ » أيإنّ عقولهم لم تأمرهم بهذا ولم تدعهم إليه بل حملهم الطغيان على تكذيبك ، ولأجل ذلك يقولون : افتعل القرآن من تلقاء نفسه .
ه - « بَلْ لَا يُؤمِنُونَ » أيقصارى القول : إنّهم لا يؤمنون ولا يصدّقون بذلك عناداً وحسداً واستكباراً ، وإنّما هذه تهم اتّخذوها ذريعة إلى التمويه وستروا بها عداءهم وعنادهم .
و - « فَلْيأتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ انْ كَانُوا صَادِقِينَ » أيإن كان شاعراً فلديكم الشعراء الفصحاء ، أو كاهناً فلديكم الكهّان الأذكياء ، وإن كان قد تقوّله فلديكم الخطباء الّذين يحضرون الخطب ويجيدون إنشاء القول في كلّ فنون الكلام ، فليأتوا بمثل هذا القرآن إن كانوا صادقين فيما يزعمون ، فإنّ أسباب التحدّي بالقول متوفّرة لديكم كما هي متوّفّرة لديه ، بل فيكم من طالت مزاولته للخطب والأشعار وكثرة الممارسة لأساليب النظم والنثر وحفظ أيّام العرب ووقائعها أكثر من محمّد صلى الله عليه وآله
مفاهيم القرآن — صفحة 148
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٤٨