بِمَجْنُونٍ » ( التكوير / 22 ) ، وقال عزّ من قائل : « فَذَكّر فَمَا انْتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ » ( الطور / 29 ) والمبرّر لهم بوصفه بالجنون ومؤاخذتهم له ، وقوفه لوحده في وجه الرأي العام المتمثّل في الشرك . والسذّج من النّاس يصفون من يتبنّى الفكر الذي لا يوافقه عليه الرأي العام وهو يريد تطبيقه في المجتمع ، بأَنّه مجنون لا يعرف قدر نفسه ومنزلته وسوف يهدر دمه لا محالة .
ما أسخف هذه التهم إذ كيف يتّهمون من هو أرجحهم عقلًا وأبينهم قولًا منذ ترعرع إلى أن بلغ أشدّه بالجنون والكهانة مضافاً إلى ما في هذا من التناقض والاضطراب ، فإنّ الكهنة كانوا من الطبقة العليا بين الناس يرجع إليهم القوم في المشاكل والمعضلات وأين هو من الجنون ؟
فكيف جمعوا بين كونه كاهناً ومجنوناً ؟
ولقد لمسنا ذلك في حياتنا القصيرة في مجتمعنا ورأينا كيف رمي رجال الإصلاح بنظائر هذه التهم وما ذلك إلّا لأنّهم قاموا في وجه المستعمرين والناهبين لثروة أقطار العالم الإسلامي ، فما كان نصيبهم جرّاء مقاومتهم تلك ، إلّا اتّهامهم بالجنون والتدهور العقلي ، والغربة عن الواقع والحياة .
5 - التعلّم من الغير : إنّ أعداء النبيّ من قريش وغيرهم وقفوا على مدى عظمة تعاليمه وسموّها ، ولكن الحالة النفسية قد صدّتهم عن تصديق قوله والإذعان برسالته الإليهة وانتسابه إلى الوحي والسماء ، فقاموا بتزوير آخر وهو انّه مُعَلّم ، قد تلقّى تعاليمه من غيره . يقول سبحانه :
« وَقدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُبينٌ * ثُمّ تَوَلُوا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلّمٌ مَجْنُونٌ » ( الدخان / 13 و 14 ) .
وأمّا من هو المعلّم الذي كان قد علّم النبي وغذّاه بتلك المبادئ والقيم فلم يذكروه ، ولكن إقتران هذه التهمة بتهمة الجنون يدلّ على أنّ المعلّم المزعوم هو الجن فهو عن طريق صلته بهم تلقّى رسالته عنهم - وبالتالي - أصيب في عقله فصار معلّماً مجنوناً بزعمهم .
وهناك احتمال آخر وهو أنّه تلقّى مبادئه عن بشر آخر ، وقد أشير إليه في قوله
مفاهيم القرآن — صفحة 144
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٤٤