تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
الحدود ، فكأنّ اللامحدوديّة تلازم وصف القاهرية ، وقد عرفت أنَّ ما لا حدّ له يكون واحداً لا يقبل التعدّد ، فقوله سبحانه وهو الواحد القهار ، من قبيل ذكر الشيء مع البيّنة والبرهان . قال العلّامة ( الطباطبائي ) : « القرآن ينفي في تعاليمه الوحدة العددية عن الإله جلّ ذكره ، فإنّ هذه الوحدة لا تتم إلّا بتميّز هذا الواحد ، من ذلك الواحد بالمحدودية التي تقهره . مثال ذلك ماء الحوض إذا فرّغناه في أوان كثيرة يصير ماءُ كلّ إناء ماءً واحداً غير الماء الواحد الذي في الإناء الآخر ، وإنّما صار ماءً واحداً يتميّز عمّا في الآخر لكون ما في الآخر مسلوباً عنه غير مجتمع معه ، وكذلك هذا الإنسان إنّما صار إنساناً واحداً لأنّه مسلوب عنه ما للإنسان الآخر ، وهذا إنْ دلّ فإنّما يدلّ على أنَّ الوحدة العددية إنّما تتحقّق بالمقهورية والمسلوبية أيقاهرية الحدود ، فإذا كان سبحانه قاهراً غير مقهور وغالباً لايغلبه شيء لم تتصوّر في حقّه وحدة عددية ، ولأجل ذلك نرى أنَّهُ سبحانه عندما يصف نفسه بالواحدية يتبعها بصفة القاهرية حتى تكون الثانية دليلًا على الأولى ، قال سبحانه : « أَأَرْبابٌ مُتَفَرَّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهَّارُ » ( يوسف / 39 ) ، وقال : « وَما مِنْ الهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ القَهَّارُ » ، وقال سبحانه : « لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهَّارُ » ( الزمر / 4 ) . وباختصار : إنَّ كلًا من الوحدة العددية كالفرد الواحد من النوع ، أو الوحدة النوعية كالإنسان الذي هو نوع واحد في مقابل الأنواع الكثيرة ، مقهور بالحد الذي يميّز الفرد عن الآخر والنوع عن مثله ، فإذا كان تعالى لايقهره شيء وهو القاهر فوق كل شيء ، فليس بمحدود في شيء ، فهو موجود لا يشوبه عدم ، وحق لايعرضه بطلان ، وحي لا يخالطه موت ، وعليم لايدبّ إليه جهل ، وقادر لايغلبه عجز ، وعزيز لايتطرّق إليه ظلم ، فله تعالى من كل كمال محضة » « 1 » .
هامش
( 1 ) . الميزان : ج 6 ، ص 88 و 89 بتلخيص .
مفاهيم القرآن — صفحة 482 | الشيخ جعفر السبحاني