تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
ومن جانب آخر ، الماهيّة إذا لوحظت من حيث هي هي ، فهي غير الوجود كما هي غير العدم ، بشهادة أنّها توصف بالأوّل تارة وبالثاني أخرى ، ويقال : النبات موجود ، كما يقال : غير موجود . وهذا يوضح أن مقام الحد والماهيّة مقام التخلية عن الوجود والعدم ، بمعنى أنّ الإنسان عند النظر إلى ذات الشيء يراه عارياً عن كل من الوجود والعدم ، ثم يصفه في الدرجة الثانية بأحدهما . وأمّا وجه كون الشيء في مقام الذات غير موجود ولامعدوم ، فلأجل أنّه لو كان في مقام الذات والماهية موجوداً ، سواء كان الوجود جزْءَه أو عَيْنه يكون الوجود نابعاً من ذاته ، وما هذا شأنه يكون واجب الوجود ، يمتنع عروض العدم عليه ، كما أنّه لو كان في ذلك المقام معدوماً ، سواء كان العدم جزءه أو عينه يكون العدم نفس ذاته ، وما هذا شأنه يمتنع عليه عروض الوجود . فلأجل تصحيح عروض كل من الوجود والعدم لا مناص عن كون الشيء في مقام الذات خالياً عن كلا الأمرين حتى يصحّ كونه معروضاً لأحدهما . وإلى هذا يهدف قول الفلاسفة : « الماهيّة من حيث هي هي لا موجودة ولامعدومة » . ومع هذا كلِّه فهي في الخارج لا تخلو إما أنْ تكون موجودة أو معدومة . فالنبات والحيوان والإنسان في الخارج لا يفارق أحد الوصفين . وبهذا تبيّن أنَّ اتّصاف الماهية بأحد الأمرين يتوقّف على علّة ، لكن اتّصافها بالوجود يتوقّف على علّة موجودة ، ويكفي في اتّصافها بالعدم ، عدم العلّة الموجدة . فاتّصاف الماهيات بالأعدام الأزلية خفيف المؤونة ، بخلاف اتّصافها بالوجود فإنّه رهن وجود علّة حقيقية خارجية . وعلى ضوء هذا البيان يتّضح أنّه سبحانه منزَّه عن التحديد والماهيّة وإلّا لزم أنْ يحتاج في اتّصاف ماهيته بالوجود إلى علّة « 1 » . وما هذا شأنه لا يكون واجباً بل يكون ممكناً . وهذا يجرّنا إلى القول بأنّه سبحانه صرف الوجود المنزّه عن كل حد .
هامش
( 1 ) . وهنا يبحث عن العلّة ما هي ؟ أهي نفس الوجود العارض على الماهية أو وجود آخر . فإن كان الأوّل لزم الدور ، وإن كان الثاني لزم التسلسل . والتفصيل يؤخذ من محلّه . لاحظ الأسفار : ج 1 ، فصل في أنّه سبحانه صِرْف الوجود .
مفاهيم القرآن — صفحة 484 | الشيخ جعفر السبحاني