تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
ولمّا كان السلام من السلامة دعا سبحانه في حقّ يحيى بقوله : « وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً » ( مريم / 15 ) ، وإنّما خصّ المواطن الثلاثة بالدعاء لأنّ أوحش ما يكون الخلق فيه هو يوم ولد ، ويوم يموت ، ويوم يبعث . ففي الأوّل يرى نفسه خارجاً عمّا كان فيه ، وفي الثاني يرى قوماً لم يكن عاينهم ، وفي الثالث يرى نفسه في محشر عظيم ، فأكرم اللَّه يحيى في هذه المواضع الثلاثة وخصّه بالسلامة من آفاتها ، والمراد أنّه سلّمه من شرّ هذه المواطن وامنه من خوفها « 1 » . أقول : لاشكّ انّ السلام من أسماء اللَّه سبحانه كما هو صريح آية سورة الحشر كما عرفت ، وترديد الراغب فيه لاوجه له ، إنّما الكلام في معناه فهناك احتمالان : 1 - أن يكون المراد من السلام إنّه ذوالسلام ووصف به مبالغة في وصف كونه سليماً من النقائص والآفات كما يقال رجل عدل . 2 - أن يكون المراد من السلام كونه معطياً للسلامة وهو تعالى خلق الخلق سويّاً وقال : « مَا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُتٍ » ( الملك / 3 ) ، وقال : « رَبُّنا الَّذِى اعْطى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » ( طه / 50 ) . إنّما الكلام في الفرق بينه وبين « القدّوس » الوارد في الآية أيضاً . قال سبحانه : « هُوَ اللَّهُ الَّذِى لا الهَ الَّا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ » فما هو الفرق بين الاسمين ويحتمل كون القدّوس من صفات الذات ، والسلام من صفات الفعل فهو منزّه ذاتاً وفعلًا عن النقص . ويحتمل أن يكون القُدُّوس أكثر مبالغة في التنزيه من السلام فهو يشير إلى براءته سبحانه عن جميع العيوب في الماضي والحاضر والمستقبل ، وعن العيب الظاهر والباطن ، ولكن السلام أضيق دلالة من هذا ، فلعلّه مختص بالبراءة عن
هامش
( 1 ) . لوامع البينات للرازي : ص 187 ، نقلًا عن سفيان بن عيينة .
مفاهيم القرآن — صفحة 280 | الشيخ جعفر السبحاني