تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
ظاهر الكلام ، فإذا أيّدت القرائن كون المراد هو الاستيلاء فالتفسير بالاستقرار تأويل بلا دليل لا العكس كما هو المعروف في كتب أهل الحديث والحنابلة . أظنّ أن هذا البيان يقنع القارئ في أنّ المراد هو الاستيلاء لا الاستقرار ولو فرضنا أنّه في ريب وتردّد في اختيار أحد المعنيين فنأتي بمثال يقرّب إليه المطلوب وهو : إذا بلغ طبيب في فنّ الجراحة مقاماً عظيماً فأخذ يصف أعماله العجيبة في ذلك المجال ويقول : إنّي قمت بعمل كذا وكذا فيذكر إبداعاته واعجازاته العلميّة أفيصح أن يرتجل في أثناء هذه المذاكرة ويقول : إنّي مستقرّ على عرشي في بيتي ، ولو تكلّم بذلك يعدّ كلامه غير منسجم ، فيقول المخاطب في نفسه : أيّ صلة بين ما قام به من الأعمال العجبية في مجال الجراحة وبين استقراره على السرير في بناء رفيع . وهذا بخلاف ما إذا كان جميع الجمل مربوطة إلى عمله وفعله في الموضوع الذي أخذ بتفسيره وبيانه ، وبهذا المثال تقدر على تقييم المعنى الذي لم يزل يسيطر على ذهن القشريين من الحنابلة وأهل الحديث ، إذ أيّ مناسبة بين هذه الأفعال العجيبة واستقراره على العرش وجلوسه على السرير وان كانت الكيفية مجهولة ، وأمّا إذا قلنا : بأنّ المراد استيلاؤه على صحيفة الكون وانّ الخلق ما أوقعه في التعب واللغوب « 1 » ولم يضعفه عن القيام بأمر التدبير بشهادة استيلائه عليه ، تكون الجمل مترابطة متناسبة .
هامش
( 1 ) . إشارة إلى قوله سبحانه : « وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ » ( ق / 38 ) اقرأ هذه الآية وراجع التوراة . ترى أنّه يقول‌في سفر التكوين : الإصحاح الثاني : وفرغ في اليوم السابع من عمله الذي عمل ، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل . وبارك اللَّه اليوم السابع وقدّسه لأنّه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل اللَّه خالقا .
مفاهيم القرآن — صفحة 145 | الشيخ جعفر السبحاني