تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
وزعمت المعتزلة والحروريّة والجهميّة أنّ اللَّه عزّ وجلّ في كلّ مكان فلزمهم انّه في بطن مريم وفي الحشوش والاخلية وهذا خلاف الذين تعالى اللَّه عن قولهم « علوّا كبيرا » « 1 » . عزب عن امام الحنابلة ومن تبع مذهبه انّ الاستدلال متفرّع على تفسير العرش بأنّه مخلوق كهيئة السرير له قوائم وهو موضوع على السماء السابعة مستوٍ عليه كاستواء الملوك على عروشهم ، فعند ذلك يتوجّه إليهم السؤال بأنّه لو كان المراد من « استوى » هو الاستيلاء - لا الاستقرار فلماذا خصّ الاستيلاء به مع أنّه مستو على الأشياء كلّها ؟ وأمّا إذا قلنا بأنّ العرش كناية عن صفحة الوجود وعالم الكون فاستيلائه عليه كناية عن استيلائه على عالم الخلق ، فيسقط السؤال بأنّه لماذا خصّ الاستيلاء بعرشه دون غيره إذ ليس هنا شيء وراء صفحة الوجود ، واللغة العربيّة مليئة بالمجاز والكناية ، ولا يلزم في صدق الكناية وجود المعنى المكنىّ به ومن يرير واستقرار المستوى عليه ، بل يطلق وإن لم تكن هناك تلك المظاهر ، قال الشاعر :
قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق
والذي يعرب عن ذلك أيانّ المراد استيلائه على عرش التدبير ، إنّ الذكر الحكيم لا يذكر استوائه على العرش إلّا ويذكر فعلًا من أفعاله أو وصفاً من أوصافه ، أمّا قبله أو بعده مثل قوله : « خَلَقَ السَّمواتِ وَالْارْضَ فِى سِتَّةِ ايَّامٍ ثُم اسْتَوى عَلى الْعَرْشِ يُغْشِى اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً » ( الأعراف / 54 ) . وقوله : « خَلَقَ السَّمواتِ وَالْارْضَ فِى سِتَّةِ ايَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ » ( يونس / 3 ) . وقوله : « اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وَ
هامش
( 1 ) . الإبانة للأشعري : ص 86 - 87 .