وأمّا الطلب الخامس : أعني قولهم : « أو يكون لك بيت من زخرف » فيرد بما ردّ به سؤالهم الثاني .
وأمّا الطلب السادس : أعني قولهم : « أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه » .
فلحن السؤال يدل على عنادهم وتعنّتهم ، إذ لو كان هدفهم من الطلب هو الاستهداء فيكفي طلبهم الأوّل ، أعني : رقي النبي إلى السماء ولم تكن حاجة لقولهم « ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه » .
وهذه التحليلات العقلية ترشدنا إلى أنّ عدم قيام النبي بهذه الطلبات والمقترحات إنّما هو لأجل فقدان مقتضى الإجابة ، أو لأجل وجود مانعها .
فلننظر بماذا أجابهم سبحانه ، نرى أنّه سبحانه ردّ على طلباتهم بأمره النبي أن يقول لهم : « سبحان ربي هل كنت إلّا بشراً رسولا » والدقة في هذه الجملة القصيرة ترشدنا إلى الأُمور التالية :
قوله تعالى : « سبحان ربي » فهو يهدف إلى تنزيهه سبحانه عن الرؤية والمجيئ اللّذين طلبهما القوم حيث قالوا : « أو تأتي باللَّه » ، كما أنّه يرمي إلى أنّ مشيئته سبحانه لا تتعلق بالمحال الذاتي كما لا تتعلق بالأمر الممكن إذا كان على خلاف الحكمة ، حيث طلبوا منه إهلاكهم وإبادتهم مع أنّهم خلقوا للاهتداء والتكامل لا للإبادة والهلاك .
وأمّا قوله : « بشراً رسولا » فيهدف لفظهما إلى أنّ القيام بهذه الطلبات يحتاج إلى قدرة قاهرة غير متناهية وهي خارجة عن إطار القدرة البشرية ، ولست أنا إلّا بشراً وأمّا القيام بها بما أنّي رسول فيتوقف على إذنه سبحانه المنتفي هنا لما ذكرنا من العلل .
مفاهيم القرآن — صفحة 165
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٦٥