تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
فالإجابة على ذلك السؤال نوع اعتراف بتلك المزعمة ، على أنّه يجب أن يكون بين المطلوب والرسالة رابطة عقلية يستدل بالأوّل على الثاني ، وهذا الشرط غير موجود في ذلك السؤال ، إذ كون الرجل ذا ثروة لا يستدل به على صحة قوله وصدق نبوته ورسالته ، وإلّا يجب أن يكون أصحاب الثروات أنبياء إذا ادّعوا النبوة والرسالة . وأمّا الطلب الثالث : أعني قولهم : « أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً » فقولهم : « كما زعمت » يعنون به قوله تعالى : « إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ » « 1 » غير أنّ القيام بهذا الاقتراح يضاد هدف الإعجاز ، فإنّ الغاية من خرق الطبيعة هي هداية الناس إلى الدين ، ولو كانت نتيجة الإعجاز أبادتهم وإهلاكهم لزم نقض الغرض . وأمّا الطلب الرابع : أعني قولهم : « أو تأتي باللَّه والملائكة قبيلًا » والمراد من قوله : « قبيلا » أيكفيلًا بما تقول ، شاهداً بصحته ، والمعنى : أو تأتي باللَّه قبيلًا وبالملائكة قبيلًا . ويمكن أن يكون المراد منه مقابلًا كالعشير بمعنى المعاشر ، وهذه الآية بمنزلة قولهم حيث حكى عنهم سبحانه بقوله : « لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرَى رَبَّنا » . « 2 » ومن المعلوم أنّ مقترحهم أمر محال ، فإنّ طلب رؤية اللَّه المجرد عن المكان والزمان بهذه الأبصار المادية أمر غير ممكن ، وهو تعالى يصف نفسه بقوله : « لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَوَهُوَ اللطِيفُ الْخَبيرُ » « 3 » . ومثله طلب رؤية الملائكة بأشكالهم الواقعية ، كما أوعزنا إليه غير مرة .
هامش
( 1 ) سبأ : 9 . ( 2 ) الفرقان : 21 . ( 3 ) الأنعام : 103 .
مفاهيم القرآن — صفحة 164 | الشيخ جعفر السبحاني