تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
مثل امّة نوح وعيسى وموسى ، رسولًا يدعوهم إلى دين الحق ويهديهم إلى صراطه ، وأمّا أمد رسالة الرسول وكميتها ، فالآية غير ناظرة إليه ، لا صريحاً ولا تلويحاً لا مفهوماً ولا منطوقاً ولا مانع من أن يكون إحدى هذه الرسالات غير محدودة بحد خاص ، ويكون صاحبها خاتم الرسل ودينه خاتم الأديان ، وقد دلّ القرآن على أنّ نبي الإسلام هو ذاك ، كما تقدمت دلائله . ونظير ذلك قوله سبحانه : « وَلَقَد بَعَثْنَا في كُلِّ امّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقْت عَلْيِه الضَّلالَة » ( النحل - 36 ) . أتجد من نفسك أنّ الآية تشير إلى تحديد الشريعة بعد الإسلام ، لا ، لا تجده من نفسك ، ولا يجد ذلك أيضاً كل متحرر عن قيد العصبية . وأمّا الآية الثانية ، فكشف الغطاء عن محيا الحق ، يحتاج إلى توضيح وتحقيق معنى « الامّة » الواردة في الكتاب والسنّة ، فنقول : قال الراغب : الامّة ، كل جماعة يجمعهم أمر ما : أمّا دين ، أو مكان ، أو زمان ، وهذا الجامع ربّما يكون اختيارياً وقد يكون تسخيرياً « 1 » . هذه الحقيقة التي كشف عنها الراغب ، هو الظاهر من الكتاب والسنّة وموارد الاستعمال وصرّح بها الجهابذة من اللغويين ، ودونك توضيح ما أفاده الراغب : الجامع الديني ، كما في قوله سبحانه : « رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا امَّةً مُسْلِمَةً لَكَ » ( البقرة - 128 ) وقوله سبحانه : « كُنْتُمْ خَيْرَ امَّةٍ اخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوف » ( آل عمران - 110 ) . الجامع الزماني كقوله سبحانه : « وَلِكُلِّ امَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ
هامش
( 1 ) - المفردات للراغب ص 23 مادة « أم » وكان الأولى أن يضيف إلى هذه الجوامع لفظ « أو غيره » إذ لا ينحصر الجامع بهذه الثلاثة وليس المقصود أنّ هذه الجوامع داخلة في مفهموم « الامّة » حتى يقال : أنّ توصيف الامّة في الآية بكونها « مسلمة » دليل على خروجها عن مفهوم الآية ، بل المراد أنّ هذه الجوامع تكون مصححة ، لاطلاقها على الجماعة .
مفاهيم القرآن — صفحة 185 | الشيخ جعفر السبحاني