تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
واكتملت الأحكام تلو هذه الأحوال والتطورات . فهذه الشرائع ( مع اختلافها في بعض الفروع والأحكام نظراً إلى الأحوال الأممية والشؤون الجغرافية ) لا تختلف في أصولها ولبابها ، بل كلها تهدف إلى أمر واحد ، وتسوق المجتمع إلى هدف مفرد ، والاختلاف إنّما هو في الشريعة والمنهاج لا في المقاصد والغايات كما قال سبحانه : « لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ امَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ في مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ » ( المائدة - 48 ) . « 1 » وقال سبحانه : « ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الذِينَ لايَعْلَمُونَ » ( الجاثية - 18 ) . وخلاصة القول : إنّ السنن مختلفة ، للتوراة شريعة ، وللإنجيل شريعة ، وللقرآن شريعة ولكن الدين هو الأصول والعقائد والأحكام التي تساير الفطرة الإنسانية ولا تخالفها ، واحد . وهاتان الآيتان لا تهدفان إلى اختلاف الشرائع في جميع موادها ، ومواردها اختلافاً كلّياً بحيث يكون من النسبة بينها نسبة التباين ، كيف وهو سبحانه يأمر نبيّه بالاقتداء بهدى أنبيائه السالفين ويقول : « اولئِكَ الذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه » ( الأنعام - 90 ) . وتخصيص الاقتداء بالتبعية لسننهم وسيرتهم في دعوة أقوامهم إلى الدين والصبر على أذاهم كما في قوله سبحانه : « فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ اولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَهُمْ » ( الأحقاف - 35 ) تخصيص بلا وجه . فالقول باختلاف الشرائع وتباينها في جميع الموارد لا يرتضيه القرآن والقول باتحاد الشرائع باطل بالضرورة قال سبحانه : « لِكُلِّ امَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا
هامش
( 1 ) - أيجعلنا لكل من موسى وعيسى ومحمد - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - أو لكل من أمم التوراة والإنجيل والقرآن شريعة وطريقاً خاصاً إلى ما هو الهدف الأقصى من بعث الرسل ومنهاجاً واضحاً ، والاختلاف بين الكتب والشرائع جزئي لا كلي ، والنسخ في بعض الأحكام لا في جميعها .